استعاد حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا السيطرة على بلدية “أوسكودار” في مدينة إسطنبول، في خطوة أثارت موجة من الانتقادات المحلية والدولية، ووصفها مقرر البرلمان الأوروبي بأنها “استحواذ صارخ على السلطة”.
تأتي هذه التطورات بعد مسار معقد من الإجراءات القضائية والسياسية الممتدة التي أفضت إلى تحويل دفة القيادة في البلدية عقب عزل رئيسة البلدية المنتخبة واعتقال أعضاء في المجلس المحلي وانتقال آخرين إلى صفوف الحزب الحاكم.
مسار الاقتراع وتوازنات المجلس البلدي
أشرف المجلس البلدي في أوسكودار على إجراء اقتراع لانتخاب رئيس بالنيابة، إثر توقيف رئيسة البلدية سينيم ديديتاس، المنتمية لحزب الشعب الجمهوري المعارض، احتياطياً على ذمة التحقيق في الحادي والثلاثين من يوليو/تموز، وما أعقبه من قرار وزارة الداخلية بإيقافها عن ممارسة مهامها الرسمية.
وكان المجلس قد صوت في الخامس من أغسطس/آب لصالح مرشحة المعارضة سيبيل تان جيتينكايا، غير أن محكمة إدارية قررت تعليق هذا القرار بناءً على طعن تقدم به حزب العدالة والتنمية، مما فتح الباب أمام إعادة التصويت. وفي الجولة الرابعة من الاقتراع حسم مرشح حزب العدالة والتنمية، دوندار ضياء غولتكين، النتيجة لصالحه بتغلبه على جيتينكايا بفارق ثلاثة وعشرين صوتاً مقابل تسعة عشر صوتاً.
وحُسم هذا التحول بعد انضمام أربعة من أعضاء المجلس المنتخبين على قوائم المعارضة إلى حزب العدالة والتنمية، إلى جانب احتجاز عضويين آخرين من المعارضة احتياطياً على ذمة التحقيق. وفي المقابل، نفى أيهم أيدين، أحد الأعضاء الأربعة المنضمين للحزب الحاكم، خضوعه لأي تهديدات من قبل الادعاء العام أو أي مسؤولين حكوميين، مؤكداً أن انضمامه جاء بكامل إرادته الاختيارية.
ردود فعل دولية وموجة احتجاجات شعبية
من جانبه، انتقد مقرر البرلمان الأوروبي الخاص بتركيا، ناتشو سانشيز أمور، هذه الإجراءات بشدة، واصفاً ما جرى بـ “السخرية من الديمقراطية” ومؤكداً أن المنظومة السياسية والقضائية تعرضت للتحريف لإلغاء ما أفرزته صناديق الاقتراع. وأوضح أمور عبر منصة “إكس” أن الوصول إلى هذه النتيجة تطلب عمليات توقيف وانشقاقات وتهديدات وأربع جولات من التصويت، معتبراً احتجاج وبكاء المواطنين أمام مقر البلدية استجابة طبيعية لما أسماه “الاستحواذ الصارخ على السلطة”.
وشهدت المنطقة المحيطة بمبنى البلدية تجمهر عدد من المعترضين الذين هتفوا بشعارات تتهم السلطات بـ “سرقة إرادتهم”، مع توجيه استهجانات لمسؤولي الحزب الحاكم أثناء دخولهم المبنى. كما انضم رئيس بلدية إسطنبول السجين، إكرام إمام أوغلو، المنافس السياسي الأبرز للرئيس رجب طيب أردوغان، إلى موجة التنديد، حيث اعتبر ساخراً عبر بيانه الصادر عن مكتبه الانتخابي أن الحزب الحاكم ظفر بنصر انتخابي عبر احتجاز رئيسة البلدية وأعضاء مجلسها. وأضاف إمام أوغلو موضحاً أن أوسكودار وإسطنبول وتركيا برمتها لا تخضع لملكية جهة بعينها بل تعود للشعب.
الملاحقات القضائية والانقسامات السياسية
وعلى الصعيد القضائي والسياسي المحلي، فتحت النيابة العامة تحقيقات طالت رئيس فرع إسطنبول للحزب الجديد أوزغور جيليك، ورئيس فرع الحزب في أوسكودار بيرك توتونجو، بناءً على شكاوى تقدم بها ثلاثة من أعضاء المجلس البلدي يتهمونهم فيها بالتهديد والإهانة والابتزاز. كما أُستدعي جيليك للاستجواب كمتهم عقب تصريحاته التي ادعى فيها تعرض العضو أيدين لتهديدات أرغمته على الانضمام لحزب العدالة والتنمية.
وتأتي هذه التطورات في ظل إعادة تشكيل الخارطة الحزبية للمعارضة؛ حيث تأسس “الحزب الجديد” على يد زعيم حزب الشعب الجمهوري السابق أوزغور أوزيل وحلفائه، بعد قرار قضائي بإلغاء المؤتمر العام الذي انتخبه ورئيس الحزب الأسبق كمال كليتشدار أوغلو في مايو/أيار. وانتقل معظم نواب ومسؤولي حزب الشعب الجمهوري إلى الحزب الجديد، الذي بات يتصدر مواجهة التحقيقات المستهدفة للبلديات الفائزة في انتخابات عام 2024.
الخلفية التاريخية والسياق السياسي العام
تحمل بلدية أوسكودار بعداً رمزياً وسياسياً خاصاً، كونه حياً محافظاً يقع في الجانب الآسيوي من إسطنبول وتضم مقر الإقامة الخاص للرئيس رجب طيب أردوغان. وقد عادت البلدية إلى سيطرة حزب العدالة والتنمية بعد عامين من إنهاء سينيم ديديتاس لثلاثة عقود من حكم أحزاب ذات جذور إسلامية للمنطقة. وكان ديديتاس، وهي أول امرأة تتولى رئاسة هذه البلدية، قد فازت في انتخابات مارس/آذار 2024 بنسبة 49.9% من الأصوات متغلبة على رئيس البلدية المنتهية ولايته حلمي توركمين الذي حصل على 42.3%.
وجرى توقيف ديديتاس احتياطياً في يوليو/تموز في إطار اتهامات تتعلق بالرشوة والابتزاز عن طريق سوء استخدام السلطة وتأسيس وإدارة تنظيم إجرامي. وتندرِج هذه القضية ضمن سلسلة من التحقيقات الجنائية الممتدة التي استهدفت بلديات عدة فازت بها المعارضة في الانتخابات المحلية لعام 2024، وأسفرت عن احتجاز وعزل العديد من رؤساء البلديات والمسؤولين المحليين وعلى رأسهم إكرام إمام أوغلو. وفي حين تصر أطراف المعارضة على أن هذه التحقيقات تحركها دوافع سياسية تهدف إلى تجريدها من مكاسبها الانتخابية، تنفي الحكومة أي تدخل في سير القضايا وتؤكد على استقلالية السلطة القضائية في البلاد.

