أعلنت وزارة الدفاع التركية بدء طياري القوات الجوية التركية مرحلة التدريب العملي على قيادة مقاتلات “يوروفايتر تايفون” في المملكة المتحدة، وذلك عقب إتمامهم دورة متخصصة في المصطلحات والمفاهيم الطيران المتطورة الخاصة بهذه الطائرات.
تأتي هذه الخطوة الميدانية في إطار تفعيل بنود الاتفاقيات العسكرية المبرمة بين أنقرة ولندن، والتي تتضمن التزامات طويلة الأمد لتأهيل الأطقم الجوية والفنية التركية وإسناد منظومة الدفاع الجوي التركية بتكنولوجيا متقدمة.
من التأهيل اللغوي إلى تحليق الميدان: تفاصيل البرنامج التدريبي
بدأت القوات الجوية التركية مسارها التدريبي في المملكة المتحدة منذ شهر أغسطس/آب الماضي عبر استكمال البرامج التمهيدية والمصطلحات الفنية والهندسية المعقدة. وبحسب البيان الرسمي المنشور عبر منصات التواصل الاجتماعي لوزارة الدفاع التركية، انتقل الضباط الأتراك بنجاح إلى مرحلة الطيران المباشر والتطبيق العملي على المقاتلات.
ووفقاً للجدول الزمني المعتمد لوزارة الدفاع، يمتد برنامج الطيران الميداني على مدار ثمانية أشهر متواصلة، تعقبها دورة إضافية لمدة ثلاثة أشهر مخصصة لإعداد وتأهيل “طيارين مدربين”. وتهدف هذه المرحلة المتقدمة إلى تمكين الكوادر التركية من نقل الخبرات وتدريب دفعات جديدة من الطيارين داخل تركيا فور دخول المقاتلات الخدمة الفعلية.
ولا يقتصر التعاون على العنصر البشري الطائر؛ إذ تنص اتفاقية الدعم والتدريب الفرعية الموقعة بين الطرفين في مارس/آذار الماضي على تدريب عشرة طيارين ونحو مئة فني وتقني من أطقم الصيانة الأرضية داخل القواعد البريطانية. وتغطي هذه البرامج الشاملة ميادين الميكانيكا الهيكلية، والإلكترونيات الطيرانية (الأفيونكس)، وأنظمة التسليح، وإدارة المأموريات الحربية، إلى جانب التدريب عبر أجهزة المحاكاة (السيمليتور)، وتوفير قطع الغيار ودعم الصيانة الممتد.
صفقة المليارات: بنود وشروط اتفاق توريد “تايفون”
تتوج التدريبات الراهنة اتفاقاً استراتيجياً وقعته تركيا مع بريطانيا في أكتوبر/تشرين الأول من عام 2025، بقيمة إجمالية بلغت ثمانية مليارات جنيه إسترليني (ما يعادل نحو 10.7 مليار دولار أمريكي آنذاك) لشراء 20 مقاتلة جديدة كلياً من طراز “يوروفايتر تايفون”.
وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر قد شهدا مراسم التوقيع النهائية في أنقرة في السابع والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول 2025 لإنهاء تفاصيل الصفقة الدفاعية الضخمة. ومن المقرر وفق جدول التسليم أن تبدأ أنقرة باستلام أول دفعة من هذه الطائرات الحديثة بحلول عام 2030.
وتتولى شركة “بي أيه إي سيستمز” (BAE Systems) عمليات التجميع النهائي للمقاتلات المخصصة لتركيا في منشأتها الواقعة بمدينة “وارتون” بشمال غرب إنجلترا، حيث تُصنّع مقاتلات “يوروفايتر” عبر كونسورتيوم أوروبي مشترك يضم أربع دول هي بريطانيا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا.
خطة تجسير الفجوة: مفاوضات المقاتلات المستعملة من قطر وعُمان
إلى جانب المشتريات الحديثة من خطوط الإنتاج الإنجليزية، تخوض أنقرة محادثات ومفاوضات متقدمة مع كل من دولة قطر وسلطنة عُمان للاستحواذ على مقاتلات “يوروفايتر” مستعملة، بغرض إدخالها الخدمة المباشرة لسد الفجوة التشغيلية قبل الموعد المقرر لوصول الطائرات الجديدة.
وكان وزير الدفاع التركي يشار غولر قد أوضح عقب التوقيع مع الجانب البريطاني أن تركيا تهدف إلى شراء 12 مقاتلة من قطر و12 مقاتلة أخرى من عُمان. وفي حال اكتمال هذه الاستحواذات المزدوجة إلى جانب الصفقة البريطانية، سيرتفع إجمالي أسطول مقاتلات “يوروفايتر” في سلاح الجو التركي إلى 44 طائرة مقاتلة.
سياق استراتيجي: إعادة هيكلة الأسطول وقضية “إف-35”
تأتي هذه التحركات التركية مكثفةً لرغبة أنقرة في تحديث أسطولها الجوي الذي يعتمد بشكل أساسي على مقاتلات “إف-16” التي باتت تتقادم حثيثاً. وكان هذا التوجه الدفاعي قد اكتسب زخم كبيراً بعد استبعاد واشنطن لتركيا عام 2019 من برنامج المقاتلات الشبحية الأحدث “إف-35″، إثر استلام أنقرة لمنظومة الدفاع الجوي الروسية “إس-400″، وهو ما اعتبرته الإدارة الأمريكية تهديداً أمنياً لسرية تقنيات “إف-35”.
وترى القيادة العسكرية التركية في مقاتلات “يوروفايتر” حلولاً انتقالية وقدرات تكتيكية متوسطة المدى، لحين اكتمال تطوير وإنتاج المقاتلة الوطنية التركية للجيل الخامس “كاآن” (KAAN). وفي الوقت نفسه، لا تزال أنقرة تطرح ملف العودة إلى برنامج “إف-35” وتواصل إثارة هذه المسألة في مباحثاتها الرسمية المستمرة مع واشنطن.

