تبدو الساحة السياسية الأوروبية مقبلة على مرحلة من الاضطراب الشديد، في وقت يواجه فيه “التحالف الثنائي” التقليدي بين برلين وباريس تصدعات داخلية متسارعة تزامناً مع تصعيد لافت في التوترات مع روسيا.
وفي حوار معمق أجراه الأكاديمي التركي البروفيسور حسن أونال مع عالمة السياسة والخبيرة في الشؤون الأوروبية الدكتورة أولريك غيروت، عبر موقع يوتيوب، تبرز ملامح أزمة هيكلية تعصف بالسياسة الألمانية والفرنسية على حد سواء، وسط تحولات كبرى في النظام الدولي متمثلة في الانتقال من أحادية القطبية إلى التعددية.
اتهامات برلين وموسكو: “حرب طائرات مسيرة” بلا أدلة قاطعة
تتطرق الدكتورة أولريك غيروت إلى الفصل الأخير من التوتر الألماني الروسي، والمتمثل في اتهام الحكومة الألمانية لموسكو بالوقوف وراء هجوم بطائرة مسيرة استهدف مطار لايبزيغ في الأول من سبتمبر/أيلول. وتشير الخبيرة الألمانية إلى أن هذا الاتهام جاء دون تقديم أدلة ملموسة، مسلطة الضوء على الرمزية التاريخية البالغة لهذا التاريخ الذي يصادف ذكرى اندلاع الحرب العالمية الثانية.
وتوضح غيروت أن الحادثة لم تسفر عن وقوع قتلى أو جرحى، واصفة الطائرة المسيرة بأنها كانت “غير مؤذية”. ومع ذلك، اتخذت برلين قراراً بإغلاق القنصلية الروسية في بون بحلول الثامن عشر من سبتمبر/أيلول، وإغلاق “البيت الروسي” في شارع فريدريش شتراسه ببرلين. وتلفت إلى أن مقترح النائب السابق عن الحزب الاجتماعي المسيحي البافاري، بيتر غاوفايلر، بتشكيل لجنة تحقيق ألمانية روسية مشتركة للوقوف على أصل الطائرة المسيرة – وهو مقترح رحبت به موسكو مراراً – قد جوبه بتجاهل تام من الحكومة الألمانية.
وفي السياق ذاته، ترى غيروت أن التصعيد الحالي يندرج ضمن سلسلة من محاولات إفشال أي تسوية سلمية على مدى السنوات الثلاث الماضية. وتستشهد بإفشال مفاوضات السلام في أبريل/نيسان ٢٠٢٢ ببيان رئيس الوزراء البريطاني الأسبق بوريس جونسون بأن “الغرب ليس مستعداً بعد للسلام”، فضلاً عن التراجع الأوروبي عن توافقات لقاء ألاسكا بين بوتين وترامب في أغسطس/آب الماضي، ورفض مساعي السلام التي عرضها المستشار الألماني الأسبق غيرهارد شرودر. وتضيف أن وتيرة التصعيد تصاعدت منذ مارس/آذار مع دعوات برلمانيين ألمان، مثل رودريش كيزيفيتر من الحزب الديمقراطي المسيحي، إلى “نقل الحرب إلى داخل روسيا” عبر هجمات بطائرات مسيرة استهدفت مصافي نفط روسية في بيرم لتمديد أمد الحرب التي باتت خاسرة لأوكرانيا على خطوط المواجهة.
إغلاق القنصليات: “تدخل مبطن” في الانتخابات الرئاسية الروسية
في تحليلها لقرار إغلاق القنصلية الروسية في بون، تؤكد الدكتورة غيروت أن التوقيت يحمل دلالات سياسية هامة؛ إذ تم تحديده قبل يومين فقط من الانتخابات الرئاسية الروسية المقررة في العشرين من سبتمبر/أيلول. وتوضح أن القنصلية في بون كانت تدير الشؤون القنصلية لنحو أربعة ملايين مواطن روسي يحملون جوازات سفر مزدوجة في ألمانيا.
وترى الخبيرة الألمانية أن الهدف الفعلي من هذا الإجراء هو منع هؤلاء الناخبين من التصويت، لتفادي عناوين الصحف الغربية التي قد تظهر تصويت أغلبية الجالية الروسية لصالح الرئيس فلاديمير بوتين، الذي يواجه عملية “شيطنة” مستمرة في وسائل الإعلام الغربية. وتصنف غيروت هذا الإجراء بأنه “تدخل مبطن” في الانتخابات الروسية، في وقت يتهم فيه الغرب موسكو بانتظام بالتدخل في انتخاباته الديمقراطية.
وتقارن غيروت بين هذا الموقف وما يشهده الداخل الألماني من شكوك حول نزاهة العملية الديمقراطية، مستشهدة بوجود دعوى قضائية أمام المحكمة الدستورية الاتحادية رفعتها حركة “تحالف سارة فاغنكنشت” (BSW) بشأن تزوير مزعوم طال تسعة آلاف وأربعمائة صوت في انتخابات البوندستاغ لشهر فبراير/شباط ٢٠٢٥، وهو ما حال دون دخول الحركة للبرلمان وتأمين أغلبية للمستشار فريدريش ميرتز في ظل الظروف الحالية.
قطع الجسور الثقافية وإغلاق معاهد غوته
تتطرق عالمة السياسة الألمانية بأسف شديد إلى قرار برلين إغلاق آخر معاهد غوته الثقافية في سانت بطرسبرغ وموسكو، معتبرة أن هذه الخطوة تعد بمثابة قطع لآخر جسور التواصل الإنساني والثقافي. وترى أن الأديب الألماني الشهير يوهان غوته “كان سينقلب في قبره” لو رأى هذا الإجراء، لكونه رمزاً للتنوير والتفاهم السلمي بين الشعوب. وتشير إلى أن برلين كان يجدر بها الاستثمار في العلاقات الثقافية وتدريس اللغة الروسية، بدلاً من قطع الصلات، خاصة وأن العديد من الروس يتحدثون الألمانية بطلاقة، على عكس الألمان.
وفي سياق المحاولات الدبلوماسية، تشير غيروت إلى حراك أمريكي من خلال أنباء عن توجه مفاوضين أمريكيين (مثل كوشنر وفيشنف) إلى كييف لمحاولة التوصل إلى تسوية سلمية، وهي خطوة تدل على قلق واشنطن المتزايد وتفسر عدم تفاعل الناتو مع دعوة برلين لتفعيل المادة الرابعة من معاهدة الحلف. ومع ذلك، تنقل الخبيرة الألمانية رفض بعض الأصوات الأوكرانية عبر وسائل إعلام ألمانية (مثل دويتشلاند فونك) لهذه المفاوضات، بحجة أن موسكو لن تتنازل عن المناطق الناطقة بالروسية، ما يجعل السلام غير مقبول لكييف، التي تفضل كسب الوقت ترقباً للانتخابات الأمريكية المقبلة.
زلزال ولاية ساكسونيا آنهالت: صعود اليمين وأزمة الإعلام العام
في الشأن الداخلي الألماني، تركز الخبيرة غيروت على انتخابات ولاية ساكسونيا آنهالت، حيث تشير استطلاعات الرأي إلى تقدم كبير لحزب “البديل من أجل ألمانيا” (AfD) بنسبة تتراوح بين أربعين وثلاثة وأربعين بالمئة. وتوضح أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أشار في خطاب أخير له إلى أن التصعيد الألماني مع روسيا يهدف بالأساس إلى صرف الأنظار عن هذه الانتخابات وتعطيل تقدم الحزب.
وتكشف غيروت عن شائعات سابقة حول نية المستشار ميرتز إعلان حالة الطوارئ (حالة طوارئ حربية) لتأجيل الانتخابات، لكن الخطوة استبدلت بمحاولة تفعيل المادة الرابعة من معاهدة حلف شمال الأطلسي (الناتو) عبر البرلماني رودريش كيزيفيتر، وهو ما لم يلقَ استجابة من قيادة الحلف.
وعلى الرغم من صغر حجم الولاية التي لا يتجاوز عدد سكانها مليوني نسمة، إلا أن فوز حزب البديل فيها قد يطلق “تأثيراً متسلسلاً” (أثر الدومينو) يعصف بالاستقرار السياسي في البلاد، ويتزامن ذلك مع إعادة دفن الإمبراطور التاريخي أوتو العظيم في مدينة ماغديبورغ، واستنفار حركة “أنتيفا” اليسارية التي أقامت مخيمات احتجاجية في الشوارع.
وتحذر غيروت من أزمة قانونية وإعلامية غير مسبوقة؛ إذ يهدد مرشح حزب البديل، أولريش سيغموند، بفسخ العقد المشترك بين الولايات الست عشرة الذي يدير قطاع البث الإعلامي العام المستقل (مثل قنوات ARD وZDF)، وهو ما قد يؤدي إلى انهيار منظومة الإعلام العام في البلاد.
وفي ظل تعقيد النظام الانتخابي الألماني وتأرجح أحزاب مثل الخضر والحزب الاشتراكي الديمقراطي والتحالف اليساري (BSW) حول عتبة الحسم البالغة خمسة بالمئة، يظل سيناريو حصول حزب البديل على الأغلبية المطلقة من المقاعد وارداً، مما يضع الحزب الديمقراطي المسيحي (CDU) أمام خيارات صعبة للتحالف لكسر جدار الحماية (Brandmauer)، وهو ما بدأ يمهد له بعض نواب الحزب مثل ينس شبان. وترى الخبيرة أن حكومة ميرتز قد لا تصمد طويلاً حتى انتخابات سبتمبر/أيلول ٢٠٢٩. كما تشير إلى تزايد القلق الشعبي من التزوير المحتمل عبر التصويت البريدي، وهو ملف يثيره أستاذ القانون الألماني أولريش فوسغيراو عبر دراساته حول التجاوزات الانتخابية.
المأزق الفرنسي: مناورات لو بان وانقسام اليسار الراديكالي
بالانتقال إلى فرنسا، تلفت الدكتورة غيروت الانتباه إلى تعقيدات المشهد السياسي مع اقتراب الاستحقاقات الرئاسية، مشيرة إلى القرار القضائي المثير للجدل بالسماح لزعيمة اليمين مارين لو بان بالترشح رغم ملاحقتها في قضايا تهرب ضريبي وغسيل أموال بقيمة خمسين مليون يورو. وتصف قرار المحكمة بوضع سوار تعقب إلكتروني للو بان وترك الخيار للشعب الفرنسي بأنه “قرار ذكي” يضع مسؤولية حماية سيادة القانون على عاتق الناخبين.
وتستعرض غيروت التحولات الأيديولوجية الكبرى في برنامج لو بان بين عامي ٢٠١٢ و٢٠١٧، حيث غيرت نحو ثمانين بالمئة من مواقفها التقليدية المناهضة للاتحاد الأوروبي واليورو والولايات المتحدة والموالية لروسيا، لتتبنى مواقف أكثر تماشياً مع “التيار السائد” (مثل دعم إسرائيل والتقارب مع واشنطن والمؤسسات الأوروبية). وتقارن هذا التحول بمواقف “ابنها السياسي” جوردان بارديلا المؤيد للناتو والتسليح وأوكرانيا، متسائلة ما إذا كانت لو بان ستستعيد خطابها السيادي القديم أم ستلتزم بخط بارديلا. وفي سياق المقارنة السياسية، تشير إلى شائعات حول طرح اسم رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، كمرشحة لإنقاذ التيار الماكروني، على الرغم من قضايا مالية سابقة ارتبطت باسمها بقيمة أربعمائة مليون يورو.
وعلى الجانب الآخر من الطيف السياسي الفرنسي، تصف غيروت الحزب الاشتراكي بأنه “ميت إكلينيكياً” بعد حصوله على ستة بالمئة فقط في الانتخابات الأخيرة واضطراره لبيع مقره التاريخي في باريس بسبب الإفلاس. وفي ظل غياب شخصية وطنية لدى الخضر (حيث تبقى عمدة باريس آن هيدالغو شخصية محلية غير وطنية)، يبرز إدوار فيليب (رئيس الوزراء السابق وعمدة لو هافر الحالي) كمرشح محافظ معتدل يحظى بفرص حقيقية.
وتتطرق الخبيرة إلى مناورات اليساري الراديكالي جان لوك ميلونشون، الذي أطلق حملته من ضاحية “سان دوني” ذات الكثافة المهاجرة المرتفعة، مخاطباً الأقليات ومستغلاً الرمزية التاريخية للضاحية التي تضم مدافن ملوك فرنسا. كما تثير تصريحات ميلونشون حول “حرق الديون الفرنسية” باعتبارها “خيالية” مخاوف حقيقية من اهتزاز الاستقرار المالي للبلاد وفقدان فرنسا لتصنيفها الائتماني الممتاز.
صراع المحاور وتصدع “المحرك” الفرانكو-ألماني
تخلص الدكتورة أولريك غيروت، في نقاشها مع البروفيسور حسن أونال، إلى أن “المحرك الفرانكو-ألماني” الذي طالما استند إليه استقرار الاتحاد الأوروبي طوال ستة عقود قد تكسر بالفعل، حيث يواجه كلا البلدين نزعات انحلال داخلي وتصدعات أفقية وعمودية عميقة.
وتشير غيروت إلى أن هذه الانقسامات تمتد لتشمل البنية الداخلية للأحزاب ذاتها، مستشهدة بالانقسام الحاد داخل حزب البديل الألماني بين جناحه الغربي (الأطلسي، الليبرالي، والمؤيد لإسرائيل والرأسمالية) وجناحه الشرقي (الاشتراكي، المناهض للناتو والمؤيد للسلام مع روسيا)، وهو انقسام يعكس بدوره الفجوة التاريخية المستمرة منذ خمسة وثلاثين عاماً بين شطري ألمانيا الشرقي والغربي وإعادة تقييم مسار الوحدة عام ١٩٨٩.
كما تحذر الخبيرة من وجود محاولات ممنهجة لاختراق وتقويض مواقف الأحزاب الرافضة للحرب، مستشهدة بتحول حزب الخضر الألماني عبر أربعة عقود من حركة سلمية مناهضة للحروب تقودها بترا كيلي، إلى حزب ينتهج سياسات تدخلية تحت قيادة وزيرة الخارجية الحالية أنالينا بيربوك. وهو النموذج نفسه الذي تراه يتكرر مع زعيمة إيطاليا جورجيا ميلوني التي باتت تتأرجح بين مواقفها السيادية القديمة والاندماج في تيار الناتو وواشنطن.
وفي ختام حوارها، تعلن الخبيرة غيروت عن قرب صدور كتابها الجديد بعنوان “أوروبا أخيراً”، والذي تتبنى فيه أسلوب “التاريخ الاسترجاعي” بدءاً من عام ٢٠٢٥، مستشرفة السيناريوهات المحتملة لتفكك الدول الأوروبية الكبرى والتحولات العميقة التي تنتظر القارة العجوز.

