في خطوة قضائية وصفت بأنها الأولى من نوعها في التاريخ السياسي الحديث للبلاد، مثل رئيس الوزراء التركي الأسبق وزعيم حزب المستقبل، أحمد داوود أوغلو، أمام النيابة العامة في العاصمة أنقرة بصفته “مشتبهاً به” في قضية جنائية.
التحقيق الذي جرى في القصر العدلي بأنقرة واستمر قرابة أربعين دقيقة، تمحور حول اتهامات بـ “إهانة رئيس الجمهورية“ رجب طيب أردوغان، وذلك بموجب المادة 299/1 من قانون العقوبات التركي.
وعقب خروجه من جلسة الاستماع، عبّر داوود أوغلو عن أسفه العميق لربط اسمه بملف قضائي من هذا النوع كمسؤول سابق خدم الدولة في مواقع دبلوماسية وتنفيذية عليا، مؤكداً في الوقت ذاته التزامه الكامل بالقانون واحترامه للمؤسسة القضائية التركية. وشدد على أن استدعاء رئيس وزراء سابق لمجرد التعبير عن الرأي وتوجيه انتقادات سياسية يمثل سابقة محزنة ومستغربة في تاريخ الدولة التركية.
الخطاب الذي فجر المواجهة القضائية
تعود جذور هذه القضية إلى تصريحات علنية صريحة أدلى بها داوود أوغلو في الحادي عشر من سبتمبر/أيلول عام 2021، خلال تجمع شعبي في محافظة بينغول ذات الأغلبية الكردية شرقي البلاد. وتضمنت تلك الكلمة انتقادات اقتصادية وسياسية بالغة الحدوة لإدارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وعائلته.
وكان رئيس الوزراء الأسبق قد وجه اتهامات مباشرة في ذلك الخطاب، مشيراً إلى أن المقربين من السلطة “ضاعفوا ثرواتهم بمليارات الليرات، وأكلوا لقمة الحرام، وأغنوا دوائرهم الضيقة“. كما انتقد بشدة تعيين أردوغان لزوج ابنته (صهر الرئيس) وزيراً، وتسهيل إثراء أقاربه، فضلاً عما وصفه بـ “تقديم مقدرات تركيا ورهن مشاريعها لصالح خمسة مقاولين رئيسيين“ يهيمنون على المشهد الاستثماري.
وفي تعليقه على الاستجواب، أوضح داوود أوغلو أن تلك التصريحات جاءت رداً عفوياً وصادقاً على “سؤال استفزازي“ طرحه أحد الحاضرين، مؤكداً أنه متمسك بكل كلمة قالها دون تراجع، انطلاقاً من مبدأ “الصدق والاستقامة” الذي يعتمده منهجاً ثابتاً لحياته المهنية والشخصية والأكاديمية.
تضامن سياسي واسع وكتلة معارضة موحدة
ولم يكن داوود أوغلو وحيداً في مواجهته القضائية؛ إذ حظي بدعم سياسي لافت من قادة أحزاب المعارضة ذوي التوجهات المحافظة والديمقراطية الذين رافقوه شخصياً إلى مقر المحكمة. وشمل هذا الوفد التضامني كلاً من:
- علي باباجان، رئيس حزب الديمقراطية والتقدم (DEVA) ووزير الاقتصاد الأسبق.
- محمود أريكان، رئيس حزب السعادة المحافظ.
- محمد أمين إكمين، نائب رئيس حزب الديمقراطية والتقدم.
هذا الحضور القيادي لشركاء الأمس في حزب العدالة والتنمية الحاكم واليوم في صفوف المعارضة يبعث برسالة تضامن سياسي واضحة، ويعكس القلق المتزايد داخل الأوساط السياسية التركية من اتساع رقعة الملاحقات القضائية لتطال النخب السياسية والتنفيذية التي قادت مفاصل الدولة في مراحل سابقة.
استراتيجية الصمت وحماية السمعة الدولية
رغم الضغوط والاهتمام الإعلامي المكثف الذي حظيت به القضية محلياً ودولياً، كشف داوود أوغلو عن اتخاذه قراراً حاسماً بـ عدم الإدلاء بأي تصريحات صحفية أو مقابلات لوسائل الإعلام التركية أو العالمية حول هذه القضية. وذهب إلى حد إلغاء مشاركته في مؤتمر رفيع المستوى كان مقرراً بمشاركة مسؤولين وأكاديميين سابقين لتفادي إثارة الجدل.
وبرر هذا الموقف الصارم برغبته في حماية سمعة القضاء التركي وصورة بلاده في الخارج، رافضاً أن يُسهم في تكوين انطباع سلبي عن تركيا دولياً. وأوضح أن المتابعة القانونية والتفاصيل التقنية الدقيقة للقضية ستُترك بالكامل لفريقه القانوني بقيادة المحامي حسن سايمن.
قراءة تحليلية وسياقية للأبعاد القضائية والسياسية
يمثل استدعاء أحمد داوود أوغلو بصفته مشتبهاً به منعطفاً هاماً يتجاوز البعد الشخصي للقضية إلى تحديات سياسية وقانونية أعمق في المشهد التركي:
- تآكل الحصانة السياسية والتاريخية: داوود أوغلو ليس معارضاً تقليدياً؛ فقد شغل منصب كبير مستشاري السياسة الخارجية، ثم وزيراً للخارجية، وصولاً إلى رئاسة الوزراء ورئاسة الحزب الحاكم. ملاحقته قضائياً بموجب قانون “إهانة الرئيس” تشير إلى تبدل قواعد اللعبة السياسية في تركيا، حيث لم تعد السيرة المهنية الطويلة في خدمة الدولة تشكل جدار حماية من الملاحقة القضائية بموجب القوانين المثيرة للجدل.
- الجدل حول المادة 299 من قانون العقوبات: تظل هذه المادة (الخاصة بإهانة الرئيس) محور انتقادات مستمرة من منظمات حقوق الإنسان، حيث يُنظر إليها كأداة قانونية فضفاضة تُستخدم للحد من حرية التعبير وتطويق المعارضة السياسية. ويمثل تطبيقها على مهندس السياسة الخارجية التركية الأسبق دليلاً عملياً على اتساع نطاق تطبيقها لتشمل كبار رجال الدولة السابقين بمجرد توجيههم انتقادات للسلطة التنفيذية.
- مستقبل المعارضة والتمسك بالموقف: رغم إعلانه السابق اعتزال العمل السياسي التنظيمي، أكد داوود أوغلو عزمه مواصلة التعبير عن آرائه بكل وضوح ودون مواربة. هذا الموقف، مقترناً بالتضامن الميداني من أحزاب مثل “DEVA” و”السعادة”، قد يُمهد الطريق لإعادة إنتاج خطاب معارض قوي يستهدف مباشرة مكامن الخلل الاقتصادي والاتهامات المتعلقة بالمحسوبية والفساد التي تشكل العصب الرئيسي لنقده السياسي.

