في إطار مشاركتها بمهرجان البندقية السينمائي الدولي، عادت النجمة الأمريكية الحائزة على جائزة الأوسكار، سوزان ساراندون، لتسليط الضوء على الأثمان المهنية الباهظة التي تدفعها داخل الأوساط السينمائية في هوليوود بسبب مواقفها السياسية المعلنة، ولا سيما دعمها المستمر للقضية الفلسطينية وانتقاداتها الحادة للسياسات الإسرائيلية.
وعبرت الممثلة البالغة من العمر تسعة وسبعين عاماً عن قناعتها بأن قطاع الإنتاج السينمائي الأمريكي، وبخاصة الاستوديوهات الكبرى، لا يزال يفرض حصاراً مهنياً على الفنانين الذين يجهرون بآرائهم الناقدة لإسرائيل.
قيود غير معلنة وإقصاء من المشاريع
كشفت ساراندون، أثناء تواجدها في المهرجان لترويج فيلمها الجديد، عن استبعادها الفعلي من عدة مشاريع سينمائية في الآونة الأخيرة. وأوضحت أن بعض وكالات المواهب والإنتاج في هوليوود لا تزال توجه نصائح وتوصيات للمنتجين تحثهم فيها على عدم التعاقد معها أو إسناد أدوار جديدة إليها بسبب توجهاتها.
وفي لفتة تقديرية، وجهت النجمة المخضرمة شكرها لمدير ومخرج فيلمها الأخير “غرفة الصدى” (The Echo Chamber)، المخرج الإيطالي أندريا بالاورو، لجرأته في منحها الدور الرئيسي. وأشارت إلى أن فرصة المشاركة في هذا العمل ما كان لها أن تتحقق لو كان الفيلم من إنتاج استوديو أمريكي ضخم، نظراً لمستويات الرقابة الذاتية والضغوط السائدة في تلك المؤسسات ضد من يتبنون مواقفها.
تحول في الوعي العام والخطاب السياسي الأمريكي
ورغم التحديات المهنية الشخصية، ترى ساراندون أن ثمة تحولاً جوهرياً وعميقاً طرأ على مستوى السردية السائدة في الولايات المتحدة بشأن القضية الفلسطينية. وعزت هذا التغير إلى اتساع رقعة النقاش العام حول الروابط التاريخية والسياسية التي تجمع الصهيونية بالقرار السياسي والمؤسساتي في واشنطن.
ولفتت الممثلة الشهيرة إلى ما وصفته بـ “الصحوة أو التنوير” لدى شرائح واسعة من الشعب الأمريكي، الذي بدأ يدرك حجم الدعم المالي الهائل الذي تقدمه الولايات المتحدة لإسرائيل. ورأت أن هذه التفاصيل المالية والسياسية كانت غائبة عن وعي المواطن العادي لفترات طويلة، لكنها باتت اليوم واضحة وتحت المجهر الشعبي.
تراجع التأييد لإسرائيل واتساع التضامن
تتقاطع تصريحات ساراندون مع قراءات أشمل واستطلاعات للرأي العام في الولايات المتحدة، والتي تشير إلى تراجع مستويات التأييد لإسرائيل منذ اندلاع حرب غزة في عام ٢٠٢٣، في مقابل تنامٍ ملحوظ في التعاطف الشعبي مع الفلسطينيين.
هذا التحول في المزاج العام الأمريكي يزيد من حدة الاستقطاب والتوتر بين دوائر النفوذ السياسي والاقتصادي التقليدية في هوليوود وبين الفنانين الراغبين في التعبير عن مواقفهم الإنسانية والسياسية بحرية.
عائلة بديلة في الفضاء الدولي
على الرغم من محاولات التهميش داخل الساحة الأمريكية، تؤكد ساراندون أنها لم تعد تشعر بالوحدة أو العزلة المهنية. وأفادت بأنها تحظى بدعم لافت واحتضان واسع في الأوساط الثقافية والفنية الدولية، مستشهدة بحفاوة الاستقبال والتصفيق الطويل الذي حظيت به في المؤتمر الصحفي للمهرجان.
وقالت النجمة الأمريكية بلهجة يسودها الامتنان والتصالح مع الذات: “لقد وجدت عائلتي، ووجدت ناسي، وأنا على ما يرام”، في إشارة واضحة إلى أن الفضاء الدولي يوفر لها متنفساً وبديلاً عن جفاء هوليوود المهني.
عودة فنية لافتة في “غرفة الصدى”
تأتي هذه السجالات السياسية تزامناً مع مشاركة ساراندون الفنية البارزة في فيلم “غرفة الصدى” (The Echo Chamber) للمخرج أندريا بالاورو، وهو عمل سينمائي مقتبس عن آخر سيناريو كتبه المخرج الإيطالي الراحل الشهير برناردو برتولوتشي.
تؤدي ساراندون في الفيلم دور مغنية مسنة تعود إلى الساحة الموسيقية، وتتعاون في سبيل ذلك مع منتج موسيقي يكافح للتعافي من إدمان المخدرات لإنجاز ألبوم عودتها. ويعد الفيلم واحداً من بين واحد وعشرين عملاً سينمائياً تتنافس على جائزة “الأسد الذهبي” المرموقة، والتي سيُعلن عن الفائز بها في حفل ختام المهرجان في الثاني عشر من سبتمبر/أيلول.
مسيرة حافلة مكللة بالأوسكار والالتزام
تمتلك سوزان ساراندون تاريخاً سينمائياً حافلاً جعلها إحدى الأيقونات البارزة في تاريخ الفن السابع. وحصلت على جائزة الأوسكار كأفضل ممثلة عن دورها في فيلم “الميت الذي يمشي” (Dead Man Walking)، إلى جانب أدوارها التاريخية في أفلام شهيرة مثل “عرض صور روكي المرعب” (The Rocky Horror Picture Show)، و”بول دورهام” (Bull Durham)، والفيلم الأيقوني “ثيلما ولويز” (Thelma and Louise).
إلا أن نشاطها السياسي والتزامها بالقضايا الإنسانية، وخاصة نصرة الحقوق الفلسطينية وانتقاد سياسات الاحتلال، باتا يشكلان في السنوات الأخيرة ملمحاً أساسياً من ملامح حضورها العام، ليتجاوز تأثيرها شاشات السينما إلى ميادين الدفاع عن حقوق الإنسان.

