تثير المجتمعات اليهودية الأرثوذكسية المغلقة في قلب المدن الكبرى فضولاً واسعاً، لا سيما عندما تخرج تفاصيل حياتها إلى العلن عبر وسائل الإعلام الحديثة. مؤخراً، حظي فيلم وثائقي صممه صانع المحتوى التركي روحي چينيت بمتابعة قياسية ناهزت خمسين مليون مشاهدة خلال أيام قليلة، مسلطاً الضوء على تفاصيل الحياة اليومية للحسيديين في نيويورك. غير أن هذا الاهتمام الواسع فتح الباب أمام نقاش أعمق حول مدى دقة الصور المصدرة عن هذه الطوائف. وفي هذا السياق، يقدم الكاتب والباحث التركي أيدوغان وطنداش، في مقاله بموقع (politurco) الناطق باللغة الإنحليزية، قراءة نقدية وتفصيلية تسبر غور هذا العالم المعقد، مبيناً أن البعد البصري الجاذب للوثائقيات كثيراً ما يحجب السياق التاريخي والتباينات الفكرية والسياسية واللاهوتية العميقة التي تمزق هذه الكيانات من الداخل.
تفكيك الهوية الحسيدية: من أين بدأت الحكاية؟
كلمة “حسيد” مشتقة في الأصل من اللفظ العبري الذي يعني “التقي” أو “الورع” أو “المخلص لله”. ويوضح الباحث أيدوغان وطنداش أن هذا المصطلح قديم جداً في التراث اليهودي، ولم يكن يرمز قديماً لحركة منظمة، بل لأفراد تميزوا بورع أخلاقي استثنائي.
أما “الحسيدية” بمفهومها المعاصر كتيار روحي ومذهبي، فقد ولدت في القرن الثامن عشر في منطقتي بودوليا وفولينيا، اللتين كانتا تتبعان آنذاك للاتحاد البولندي الليتواني وتُشكلان اليوم أجزاءً من غرب أوكرانيا. وكان منطلق هذه الحركة على يد الحاخام إسرائيل بن إليعازر، المعروف بلقب “بعل شيم توف” أو “سيد الاسم الطيب”. ورغم أن المؤرخين يجادلون بشأن ما إذا كان قد خطط فعلياً لتأسيس طائفة منظمة – حيث تشير أدبيات جامعة أكسفورد إلى أنه لم يكتب إلا القليل ولم يكن يهدف بالضرورة لإنشاء حركة جديدة – فإن الأجيال اللاحقة حولت تعاليمه إلى تيار ديني جارف.
لقد جاءت الحسيدية كحركة تمرد روحي ضد الاحتكار النخبوي للمؤسسة الحاخامية التقليدية التي كانت تقصر التدين على التبحر في النصوص التلمودية المعقدة. وفي مقابل ذلك، ركزت الحسيدية على جعل العبادة متاحة للجميع من خلال الصلاة بحماس، والفرح، والموسيقى، والرقص، واستشعار الوجود الإلهي في تفاصيل الحياة اليومية. ومع مرور الزمن، تحول هذا الإحياء الروحي الشعبي إلى بنى اجتماعية متوارثة عُرفت بـ”السلالات الحاخامية”، حيث يلتف الأتباع حول حاخام كاريزماتي لا يُنظر إليه كمرجع فقهي فحسب، بل كقائد روحي تنتقل سلطته وراثياً من الآباء إلى الأبناء أو لذكور العائلة، مما أضفى طابعاً سلالياً صلباً على هذه المجتمعات.
الهجرة الكبرى والاستيطان في العالم الجديد
شهدت نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين تدفقات هجرة يهودية واسعة من شرق أوروبا نحو الولايات المتحدة، وكان من بين المهاجرين أتباع للحسيدية. غير أن الأحياء الحسيدية المغلقة والمؤسسات المتكاملة التي نراها اليوم في نيويورك لم تتشكل فعلياً إلا في أعقاب الحرب العالمية الثانية والمحرقة النازية (الهولوكوست). فبعد أن دمر النازيون مراكز الحسيدية الكبرى في أوروبا الشرقية، استقر الناجون من الحاخامات وأتباعهم في أمريكا – ولا سيما نيويورك – وفي فلسطين تحت الانتداب البريطاني والتي أصبحت لاحقاً دولة إسرائيل. وبذلك، أعادت الحسيدية بناء نفسها في بيئتها الجديدة بعد أن فقدت موطنها الأصلي.
ويرصد الكاتب وطنداش التوزيع الجغرافي المعاصر مستنداً إلى دراسة شاملة للمؤرخ مارسين وودزينسكي، والتي أحصت نحو مئة وتسعة وعشرين ألف أسرة حسيدية حول العالم. وتتركز الكثافة الكبرى في مركزين رئيسيين: إسرائيل التي تضم قرابة اثنين وستين ألف أسرة، والولايات المتحدة وبها نحو ثلاثة وخمسين ألف أسرة، بينما تتوزع البقية في بريطانيا، وكندا، وأستراليا، وأمريكا اللاتينية. وفي هذا المشهد العالمي، تميزت حركة “حباد” بامتلاكها الشبكة الدولية الأكثر انتشاراً ونشاطاً، مع وجود ممثلين لها في أكثر من مئة دولة.
فسيفساء الطوائف وتناقضاتها: ليست جسداً واحداً
يؤكد وطنداش أن الخلط بين الجماعات الحسيدية واعتبارها كتلة متجانسة هو خطأ فادح؛ إذ تستمد معظم هذه المجموعات أسماءها من البلدات الشرق أوروبية التي نشأت فيها. ومن أبرز هذه السلالات:
- جماعة “ساتمار“ التي تنسب إلى مدينة ساتو ماري الروانية.
- حركة “حباد-لوبافيتش“ المرتبطة ببلدة ليوبافيتشي الروسية.
- سلالات أخرى كـ”بوبوف” البولندية، و”بيلز” الأوكرانية، و”جير” المنسوبة لبلدة غورا كالفاريا في بولندا، إلى جانب طوائف “فيجنيتز”، و”سانز”، و”سكوير”، و”كارلين-ستولين”.
- حركة “بريسلوف“ التي تمثل حالة استثنائية فريدة لكونها ظلت بلا حاخام يقودها منذ وفاة مؤسسها الحاخام نحمان عام ألف وثمانمئة وعشرة، رافضة تعيين خليفة له.
ويشير الباحث وطنداش إلى أن الفروق بين هذه الجماعات تتجاوز الأسماء إلى صلب السلوك اليومي؛ فبينما تتبنى “ساتمار” نمط حياة شديد الانغلاق وموقفاً أيديولوجياً راديكالياً معادياً للصهيونية، تنفتح “حباد” على العالم الخارجي بشكل غير مسبوق عبر شبكاتها الممتدة في المطارات والجامعات والمناطق السياحية النائية لربط اليهود بهويتهم. وبالتالي، فإن المعاطف السوداء واللحى والضفائر الجانبية لا تعبر عن عقلية سياسية أو دينية واحدة، فرغم انتمائهم جميعاً لتيار الأرثوذكسية الفائقة (الحريديم)، فإن الحريديم ليسوا جميعاً حسيديين، والحسيديين ليسوا جميعاً من “حباد”.
معضلة الصهيونية ودولة إسرائيل
تعد النظرة إلى الصهيونية وإقامة دولة إسرائيل خط الصدع الأعمق بين المدارس الحسيدية. يوضح وطنداش أن الفكر اليهودي التقليدي يربط نهاية الشتات والعودة إلى الأرض المقدسة بمجيء “المسيح المنتظر”. ولما كانت الصهيونية السياسية حركة علمانية نشأت في القرن التاسع عشر لإقامة الدولة دون انتظار الغيب، فقد اعتبرتها تيارات لاهوتية خروجاً عن الإرادة الإلهية.
وهنا يبرز موقف طائفة “ساتمار“ التي تعد لاهوتياً من أشد المعارضين للصهيونية ودولة إسرائيل. ويعتبر كتابها التأسيسي “فا يوئيل موشيه” من أقوى النصوص الدينية المعاصرة المناهضة للكيان الصهيوني، لكونه يرى في المحاولات البشرية لإنهاء النفي قسراً تحدياً للمشيئة الربانية.
وعلى النقيض من ذلك، يرى وطنداش أنه من الخطأ تعميم هذا الموقف العدائي على كل الحسيديين. فالكثير من السلالات تتبنى مواقف براغماتية أو حيادية تجاه إسرائيل، بل وتشارك في اللعبة السياسية عبر الأحزاب “الحريدية” داخل الكنيست.
وتقف حركة “حباد-لوبافيتش“ كأوضح مثال على هذه البراغماتية السياسية؛ فعلى الرغم من أنها تاريخياً لم تمنح الصهيونية العلمانية قداسة مسيانية، فإنها تبدي التزاماً حديدياً بأمن إسرائيل والمستوطنات وتعارض أي تنازلات إقليمية. هذا التوجه جعل الحركة تبدو في الخارطة السياسية المعاصرة كقوة حليفة لليمين الإسرائيلي، مبررة ذلك بضرورة حماية الأرواح اليهودية في الأرض المقدسة، وهو ما يمثل تحولاً جوهرياً عن مواقف قادتها الأوائل الرافضين للوطنية القومية الأوروبية.
إمبراطورية “حباد” ومفارقة “المسيح الغائب”
تتألف تسمية “حباد” من الحروف الأولى للكلمات العبرية: الحكمة (خوخماه)، والفهم (بيناه)، والمعرفة (دعت)، وتأسست الحركة في القرن الثامن عشر على يد الحاخام شنيور زلمان من ليادي، واعتمدت على كتاب “التانيا” الصادر عام 1796 كمرجع روحي لها.
وقد تكرس صعودها الحديث بعد هجرة الحاخام السادس يوسف يتسحاق شنييرسون إلى نيويورك عام 1940 هرباً من النازية، متخذاً من المبنى الشهير “770 إيسترن باركواي” في حي كراون هايتس مقراً له. وخلفه في القيادة صهره الحاخام مناحم مندل شنييرسون عام 1951، والذي أحدث ثورة تنظيمية نقلت الحركة من طائفة محلية مدمرة إلى منظمة عالمية تعتمد على مبعوثين (“شلوحيم”) ينتشرون في بقاع الأرض لإحياء الهوية اليهودية.
ومع ذلك، يلفت أيدوغان وطنداش الانتباه إلى مفارقة لاهوتية كبرى تشكل لغزاً عقائدياً داخل الحركة. فخلال السنوات الأخيرة من حياة شنييرسون، اعتقد كثر من أتباعه أنه “المسيح المنتظر”. وحتى بعد إصابته بجلطة دماغية عام 1992 ثم وفاته عام 1994، لم يتبدد هذا الاعتقاد. بل لجأ قطاع من أتباعه إلى تبرير الوفاة بالقول إنه لم يمت فعلياً وإنما غاب وسيظهر مجدداً لإتمام مهمته المسيانية، وهو ما وثقته دراسات جامعة هارفارد اللاهوتية.
ويرى الباحث وطنداش أن هذا الاعتقاد فجر أزمة عقائدية صاخبة داخل الأرثوذكسية اليهودية؛ إذ يعتبر الحاخام والمؤرخ ديفيد برجر أن القبول بمسيح يموت دون إنجاز مهمته ثم يعود لاحقاً ينسف الجدل اليهودي التاريخي ضد المسيحية القائم منذ ألفي عام، مما يقرب لاهوت “حباد” بشكل ساخر من عقيدة “العودة الثانية” للمسيح في المسيحية. وقد تسبب هذا الانقسام في شرخ داخلي بين تيار “المسيحانيين” المتشبثين بقداسة الحاخام الراحل، والتيار المؤسساتي الذي يحاول إبعاد هذه القضية عن التداول العام تجنباً للصدام والاتهامات بالخروج عن حدود اليهودية التقليدية.
سراديب نيويورك والأنفاق السرية: القصة الحقيقية خلف المؤامرة
أثار اكتشاف نفق غير مرخص أسفل المقر الرئيسي للحركة “770” في بروكلين عام 2024 موجة عارمة من نظريات المؤامرة عبر الإنترنت، والتي ربطت الحادثة بجرائم تهريب أطفال. لكن وطنداش يفند هذه المزاعم استناداً لتقارير وكالة أسوشيتد برس وتوجيه الشرطة اتهامات تقتصر على إلحاق الضرر المادي وتعريض السلامة العامة للخطر.
ويكشف الكاتب أن القصة الحقيقية للأنفاق تعود إلى صراع داخلي مرير على السلطة والهوية العقائدية والسيطرة على المبنى التاريخي. فالجناة كانوا من فصيل مسيحاني راديكالي ينتمي لطلاب مدرسة دينية في مدينة صفد بإسرائيل (يعرفون بالـ”تصفاتيم”)، والذين اعتقدوا أنهم ينفذون وصية شنييرسون القديمة بتوسيع المقر. وفي المقابل، وصفتهم القيادة الرسمية للحركة بالخارجين عن القانون والمخربين. ويعكس هذا الصراع المستمر منذ سنوات، والذي تخللته مشاحنات جسدية وعراك بالأيدي، عمق الانقسام حول مرجعية الحاخام الراحل ومفهوم السلطة بعد غيابه.
تأثير المرآة المحافظة وتناقضات الحداثة
يتساءل وطنداش عن سبب الإعجاب والفضول اللذين تبديهما المجتمعات المحافظة – مسيحية كانت أم إسلامية – تجاه نمط الحياة الحسيدي. ويكمن السر في تقديم هذه الطوائف لنموذج أسري متماسك، وعائلات ممتدة، وتضامن اجتماعي صارم، وأدوار جنسانية تقليدية تقاوم موجات العلمنة الفردانية وعزلة المدن الحديثة. إنه نوع من “تأثير المرآة المحافظة”؛ فرغم اختلاف العقائد، تتطابق الهواجس الوجودية تجاه العالم الحديث ومحاولات الحفاظ على الأصالة والهوية.
الخاتمة والتقييم النقدي
ينهي الكاتب والباحث التركي أيدوغان وطنداش تحليله بالإشارة إلى أن الخلل الأساسي في الوثائقيات الإعلامية، كعمل روحي چينيت، لا ينبع من سوء نية، بل من غياب المنظور التاريخي وسهولة الوقوع في فخ تعميم الجزء على الكل. فلقد قدم الوثائقي حركة “حباد” بوصفها الممثل الوحيد للحسيدية، متغافلاً عن أصوات المعارضة الشرسة داخل هذا العالم المتشعب.
ويرى وطنداش أن المفارقة الكبرى والتاريخية تكمن في قدرة حركة مناهضة للمظاهر الحديثة على تأسيس واحدة من أكثر الشبكات الإعلامية والاتصالية كفاءة في العصر الحالي، وفي قدرتها على تبني مسافة عقائدية من الصهيونية وفي الوقت نفسه تصدر جبهة المدافعين عن إسرائيل ويمينها السياسي.

