في قراءة مغايرة لنظريات المؤامرة الشائعة في الأوساط السياسية، يطرح المحلل السياسي التركي أمره أوسلو قراءة تفصيلية لآليات الحكم في تركيا. ويرى أن استمرار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في السلطة لعقود لا يعود لوجود “عقل مدبر خارجي” يدير خيوط اللعبة، بل لمعادلة داخلية ترتكز على المال، والنفوذ الأمني، والبراغماتية المطلقة التي تتجاوز السقوف القانونية والأخلاقية.
وتأتي هذه القراءة في ظل تحولات عميقة تشهدها الساحة السياسية التركية، لا سيما بعد الانتخابات المحلية الأخيرة التي صعد فيها حزب الشعب الجمهوري المعارض كقوة أولى في البلاد. ورغم هذه المتغيرات وضيق الخيارات الانتخابية، يلاحظ أوسلو، في آخر تحليله عبر موقع يوتيوب، أن المشهد السياسي يُعاد توجيهه باستمرار بطرق تخدم بقاء أردوغان في السلطة. ويبتعد المحلل التركي عن التفسيرات التبسيطية التي تنسب نجاح أردوغان إلى قوى ماسونية، أو بريطانية، أو تنظيم “أرغنيكون” القومي العميق، معتبراً أن السحر الحقيقي يكمن في سيكولوجية الرئيس وتحالفاته البينية.
سيكولوجية الدهاء وفرضية “العقل المدبر“
يذهب أمره أوسلو إلى أن الصفة الأبرز التي تختصر مسيرة أردوغان السياسية طوال ثلاثين عاماً هي “الدهاء والذكاء العملي الحاد المصحوب بطموح مفرط”، أو الثعلب السياسي المكار، كما يقال. وبناءً على هذا التحليل، فإن فرضية ارتباط أردوغان بجهة استخباراتية دولية واحدة لإبقائه في السلطة تبدو غير دقيقة. وبدلاً من ذلك، فإن مرونة أردوغان وبراغماتيته تجعلانه شريكاً قابلاً للتعامل والصفقات مع جهات متناقضة كالمخابرات البريطانية، والروسية، والأمريكية، والإيرانية، ما دام الهدف النهائي هو تأمين بقائه الشخصي في الحكم.
ويصف أوسلو أردوغان بأنه لاعب صفقتي (Transactional) بامتياز، استطاع إدارة تحالفات متناقضة تاريخياً والتحول بين حلفاء متخاصمين. فقد تحالف في أوقات متباينة مع حركة الخدمة، والقوميين الأتراك، وروسيا، وإسرائيل، وإيران. ويبرز هذا التوجه في صفقة شراء منظومة الدفاع الروسية (S-400)، والتي يرى أوسلو أن أردوغان أصر عليها لتأمين قنوات تحالفه الشخصي مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وحماية نفوذه، على الرغم من معرفته المسبقة بالأضرار العسكرية والاقتصادية الجسيمة التي لحقت بالجيش التركي وحرمانه من مقاتلات الجيل الخامس.
المال كوقود سياسي لا للاكتناز
يفكك أوسلو الركيزة المالية في بنية النظام التركي، مشيراً إلى أن أردوغان لا يتعامل مع الثروة كـ “مكتنز سلبي” يحبس الأموال في الخزائن، بل ينظر إليها كـ “بنزين” أو وقود حيوي يجب إحراقه وتسييله لتمويل عملياته السياسية وضمان ولائه.
ويستشهد أوسلو بأحداث ديسمبر/كانون الأول (٢٠١٣) الشهيرة والتسريبات الصوتية المرتبطة بوجود مبالغ نقدية ضخمة تصل إلى ثلاثين مليون يورو في منزل عائلته. ويوضح التحليل أن هذه الكتلة النقدية الضخمة استخدمت كأداة للسيطرة على وسائل الإعلام وتوجيه الرأي العام، مثل عمليات الاستحواذ الموجهة لشراء مجموعة “صباح” وصحف ومحطات شبكة “توركواز” الإعلامية.
ويكشف أوسلو عن كواليس قضية إغلاق حزب العدالة والتنمية أمام المحكمة الدستورية عام ٢٠٠٧. ويرى أن الحزب شارف على الإغلاق الفعلي بنسبة تقارب المائة بالمائة، إلا أن أردوغان استخدم النفوذ المالي لتقديم رشى ضخمة لبعض أعضاء المحكمة الدستورية لتغيير مسار الحكم وتفادي حل الحزب، وهي الحادثة التي لولاها لربما انتهى المسار السياسي لأردوغان مبكراً. ويردف أوسلو بأن أردوغان تعلم هذا الأسلوب في توظيف المال لإدارة العمليات السياسية من معلمه التاريخي نجم الدين أربكان.
وعلى صعيد الخصوم الحاليين، يحلل أوسلو استهداف رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو قضائياً، معتبراً أن أردوغان يرى فيه خطراً وجودياً لأنه يتحرك وفق الاستراتيجية المالية والسياسية ذاتها التي اعتمدها أردوغان في بداياته لتسلق السلطة، على عكس رئيس بلدية أنقرة منصور يافاش الذي لا يمثل خطراً مشابهاً بسبب اتباعه نهجاً إدارياً مختلفاً.
تطويع الاستخبارات وتفكيك مراكز القوى
تشكل السيطرة على الأجهزة الأمنية والاستخباراتية الركيزة الثانية في معادلة الحكم التركية. ويوضح أوسلو كيف وظّف أردوغان جهازي الأمن والاستخبارات الوطنية (MİT) لرصد خصومه وتصفيتهم سياسياً.
ويبرز التحليل نموذج التخلص من زعيم حزب الشعب الجمهوري السابق دنيز بايكال. فقد ارتبط أردوغان في بداياته عام ٢٠٠٢ بتفاهم مع بايكال يقضي بتسهيل الأخير لدخول أردوغان البرلمان وتولي رئاسة الوزراء بعد حظر السياسة المفروض عليه، مقابل دعم أردوغان لبايكال للوصول إلى رئاسة الجمهورية لاحقاً. ومع نكوص أردوغان بالوعود ومحاولة بايكال الضغط عليه، استخدمت الأجهزة الاستخباراتية لتسريب مقاطع جنسية شخصية أطاحت ببايكال وعدد من قيادات حزب الحركة القومية.
وفي الإطار الأمني ذاته، يرى أوسلو أن تعيين هاكان فيدان على رأس جهاز المخابرات كان يهدف بالدرجة الأولى لتصفية حركة الخدمة. فبينما كانت التصريحات الرسمية العلنية تظهر الود للراحل فتح الله كولن، بل كان يطالبه بإنهاء غربته في الولايات المتحدة والعودة إلى تركيا، كانت الأجهزة الاستخباراتية تعمل في الخلفية على إعداد القوائم ووضع خطط التصفية الشاملة للحركة. ويمتد هذا النهج الأمني لتصفية النفوذ العسكري التقليدي، كاعتقال رئيس الأركان السابق إيلكر باشبوغ انتقاماً من مذكرة عام ٢٠٠٧ التحذيرية العسكرية، والضغط على الصحفيين والمعارضين مثل الصحفي نديم شينر لإخضاعهم وتطويع أقلامهم لخدمة النظام.
غياب السقوف الأخلاقية وتجاوز القوانين
تكمن نقطة القوة الأساسية لأردوغان في مواجهة خصومه، وفقاً لأوسلو، في غياب أي “خطوط حمراء” أو محددات قانونية وأخلاقية تضبط تحركاته. فبينما يفترض المعارضون أن النظام سيلتزم بحدود معينة، يتجاوز أردوغان القوانين القائمة متبنياً المبدأ الذي صاغه وزير الداخلية الأسبق إفكان علاء: “أنجزوا العمل، وسنقوم بتفصيل القانون لاحقاً ليناسب ما فعلتم”، حيث قال الوزير: “لا تخافوا، اكسروا الأبواب واعتقلوهم، ثم نصدر القانون الذي يبرر العملية ويحميكم من ملاحقة أمنية محتملة”، عندما احتاط ضباط أمن في تنفيذ أوامر اعتقال غير قانونية في ٢٠١٥.
ويؤكد المحلل التركي أن مبدأ “الوفاء السياسي” لا مكان له في حسابات أردوغان. إذ تخلص سريعاً من رفيقه عبد الله غول الذي سلّمه رئاسة الوزراء سابقاً، كما أطلق ملاحقات قضائية غير مباشرة ضد رئيس وزرائه ووزير خارجيته الأسبق أحمد داود أوغلو لقطع الطريق أمام أي طموح لعودته إلى حزب العدالة والتنمية.
ويصل هذا التجاوز إلى حد القبول بخسائر بشرية فادحة؛ حيث يرى أوسلو أن أردوغان كان على علم مسبق بتحركات محاولة انقلاب ٢٠١٦، لكنه ترك الأحداث تتفاعل ودعا الجماهير للنزول للتضحية بدمائهم، بهدف استخدام هذه الأزمة كرافعة سياسية لفرض النظام الرئاسي المطلق والتخلص من معارضيه، مفضلاً تثبيت أركان حكمه على حماية دماء المواطنين.
لاعب براغماتي على الساحة الدولية
في علاقاته الدولية، يرفض أوسلو تصوير أردوغان كعميل مخلص لجهاز استخبارات غربي أو روسي بعينه، بل يراه كلاعب يتعامل مع الأجهزة المختلفة بمنطق النفعية والصفقات المؤقتة.
ويتضح ذلك من مرونته الفائقة في تقديم الاعتذارات والتراجع عن المواقف المتشددة. فبعد حادثة إسقاط المقاتلة الروسية وشن الهجمات اللفظية الحادة، أرسل أردوغان رسالة اعتذار رسمية لبوتين مستعيناً بالوسيط التجاري ورجل الأعمال جاويد تشاغلار ومسؤولين آخرين، وقدم لاحقاً تسهيلات وأراضٍ استراتيجية في جنوب تركيا للمصالح الروسية. كما أدار عمليات معقدة للالتفاف على العقوبات الدولية المفروضة على إيران لضمان تدفق السيولة النقدية، مفضلاً مصالحه المباشرة ومصالح دائرته المقربة على حساب الالتزامات الدولية لبلاده.
وينتهي تحليل أوسلو إلى أن استمرار أردوغان في السلطة ليس مدفوعاً بذكاء غيبي أو رعاية من قوة عظمى سرية، بل بقدرته الفريدة على استغلال النفوذ المالي والأمني المطلق، والتحالف مع أشد الخصوم وتجاوز كافة المعايير الأخلاقية واللوائح القانونية في سبيل البقاء.

