وجه وزير التعليم الوطني التركي الأسبق، حسين تشيليك، انتقادات لاذعة إلى ممارسات حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، محذراً من تداعيات الاستهداف الأمني والقضائي المتزايد للمعارضين السياسيين، والبلديات، والكيانات الدينية والاجتماعية المستقلة.
وجاءت مواقف تشيليك في مقال تفصيلي نُشر بموقع “إندبندنت التركية” (Independent Türkçe)، ركز فيه على خطورة تراجع سيادة القانون وتسييس الإجراءات القضائية في البلاد.
استهداف انتقائي للمعارضة والبلديات والكيانات الدينية
أشار تشيليك بشكل مباشر إلى الحملات الأمنية والقضائية الأخيرة التي طالت قيادات دينية بارزة، مثل رئيس جماعة “السليمانيين” علي خان كوريش، ورئيس وقف وجماعة “الفرقان” الشيخ ألب أرسلان كويتول وزوجته سمراء كويتول اللذين تعرضا للاعتقال، بالإضافة إلى التحركات القضائية ضد البلديات التابعة للمعارضة، ومن بينها لوائح الاتهام المتعلقة ببلدية إسطنبول الكبرى.
ويرى تشيليك أن الطابع الانتقائي والتسييس في هذه العمليات بات واضحاً للعيان؛ مرجعاً ذلك إلى أن البلديات والجماعات المستهدفة تشترك جميعها تقريباً في تبني مواقف سياسية معارضة للحكومة، وهو ما يلقي بظلال كثيفة من الشك والريبة حول الدوافع الحقيقية والنزاهة القانونية الكامنة وراء هذه الحملات.
وفي تساؤل يحمل دلالة سياسية واضحة ومباشرة، طرح تشيليك تساؤلات حول النوايا الحكومية قائلاً: “شأن جماعة “السليمانيين”، هل كان سيتعرض رئيسها للملاحقة ذاتها لو كان شخصا مواليا للحزب الحاكم”، وتساءل أيضاً عما إذا كان ألب أرسلان كويتول سيلقى المعاملة الأمنية والقضائية نفسها لو كان مدافعاً مستميتاً عن سياسات الحكومة ومؤيداً لها.
مبدأ فردية العقوبة في مواجهة العقاب الجماعي
انتقد الوزير الأسبق ما وصفه بمحاولات تسييس جماعات بأكملها وشيطنتها بسبب تصرفات فردية، مؤكداً أن الانتماء إلى طريقة صوفية، أو جماعة دينية، أو جمعية، أو مؤسسة لا يمكن، في حد ذاته، أن يُشكل جريمة قانونية. وشدد على أن القانون يعامل الأفراد بصفاتهم الشخصية، وبالتالي فإن المسؤولية الجنائية فردية في المقام الأول، ولا يمكن بأي حال من الأحوال تحميل جماعة أو كائن اجتماعي بأكمله وزر اتهامات موجهة لبعض منتسبيه أو قياداته.
ومع ذلك، أوضح تشيليك أن الكيانات الدينية والاجتماعية لا ينبغي أن تكون فوق القانون أو خارج إطار الرقابة والمحاسبة. ودعا إلى تطبيق معايير وإجراءات صارمة وشفافة على الجميع دون استثناء؛ وتحديداً في ملفات حماية الأطفال، والشفافية المالية، والالتزام بالضرائب، ومنع غسل أموال الجريمة، ومراقبة استخدام الموارد العامة. غير أنه نبه إلى أن المشكلة الحقيقية في تركيا اليوم تكمن في التطبيق الانتقائي والمسيس لهذه الرقابة، متسائلاً بنبرة تهكمية عن عدد الطرق والجماعات الدينية القريبة من السلطة في تركيا التي يمكنها اجتياز فحص ضريبي حقيقي ومحايد بموجب قانون الإجراءات الضريبية الحالي دون أن تفشل.
اتهام للإعلام الموالي بـ”التواطؤ بالصمت” والإدانة المسبقة
استنكر تشيليك بشدة موقف الأوساط المحيطة بحزب العدالة والتنمية وإعلامه الموالي، واصفاً سلوكهم تجاه العمليات الأمنية الأخيرة بـ”التواطؤ بالصمت” والقبول بالاستهداف طالما أن الضحايا يعارضون سياسات الحزب الحاكم.
واتهم وسائل الإعلام المقربة من الحكومة بانتهاك “قرينة البراءة” بشكل فج، مشيراً إلى أن الصحفيين الموالين للحكومة تسرعوا في إدانة المستهدفين قبل أن تقول المحاكم والجهات القضائية كلمتها الأخيرة. وشبه تشيليك هذا السلوك بالممارسات التقليدية لوسائل الإعلام اليسارية والكمالية التي دأبت تاريخياً على استغلال أي فرصة لمهاجمة الكيانات الدينية ككل والمطالبة بإنهائها فور حدوث أي أزمة.
استسهال التدابير الاستثنائية: “الاعتقال والوصاية ومصادرة الأموال”
أعرب تشيليك عن قلقه البالغ إزاء تحول الإجراءات الاستثنائية والاحترازية في القضاء التركي إلى قواعد عامة متبعة بشكل مستمر ومنهجي. وأشار إلى أن قرارات التوقيف الاحتياطي، ومصادرة الممتلكات الشخصية، وتعيين حراس قضائيين (أوصياء) لإدارة الشركات الخاصة أصبحت ممارسات روتينية، في حين يفترض قانوناً ألا يُلجأ إليها إلا كحل أخير وفي ظروف بالغة الخصوصية والندرة.
وحذر من أن مصادرة أموال الناس وتعيين الأوصياء قبل صدور أحكام قضائية قطعية مبرمة يلحق أضراراً جسيمة وخسائر مالية ومعنوية لا يمكن تداركها بحق الأفراد والشركات المستهدفة.
من “مظلومية الماضي” إلى “تسلط الحاضر”
في رسالة وعظية وسياسية لافتة تحمل بعداً أخلاقياً، ذكّر تشيليك قادة حزب العدالة والتنمية بتجربتهم التاريخية؛ حيث تعرضت حركة “الميلي غوروش” (الرؤية الوطنية) المحافظة التي ينحدر منها الحزب الحاكم لضغوط وممارسات قمعية واستهداف مباشر من أجهزة الدولة في عقود سابقة.
وطالبهم بضرورة عدم تكرار الأخطاء والمظالم التي كانوا ضحايا لها في الماضي ضد خصومهم الحاليين، لمجرد أنهم يمسكون بمقاليد الحكم والقوة اليوم. ودعا إلى استلهام المبدأ الإسلامي الذي يوصي بـ “ألا يذل المرء عند الهزيمة، وألا يبغي ويظلم عند النصر والتمكين“.
تقييم دولي مقلق لسيادة القانون في تركيا
رغم إشادة تشيليك ببعض الخطوات الإيجابية تاريخياً لحزب العدالة والتنمية لصالح الحريات الدينية، مثل إلغاء حظر الحجاب وإعادة فتح آيا صوفيا كمسجد، فإنه أكد فشل الحكومة في الانتقال بالبلاد من “دولة القانون الشكلي” إلى “دولة الحق والعدالة” الحقيقية، بل وتراجعها في هذا الصدد.
واستشهد في مقاله ببيانات مؤشر سيادة القانون العالمي (WJP) لعام 2026، والتي تظهر تراجعاً حاداً ومقلقاً لتركيا في هذا المجال:
- حلول تركيا في المرتبة 118 من بين 143 دولة شملها المؤشر العالمي لسيادة القانون.
- تراجع تركيا إلى المركز 14 من بين 15 دولة في منطقة شرق أوروبا وآسيا الوسطى، لتتفوق فقط على روسيا، في حين تفوقت عليها دول مثل بيلاروسيا التي جاءت بمرتبة واحدة فوق تركيا.
أزمة دستورية وتجاهل للمحاكم الدولية
رسم تشيليك صورة قاتمة للواقع القضائي والدستوري الحالي في تركيا، منتقداً تجاهل قرارات المحكمة الدستورية العليا من قبل محاكم الدرجة الأولى، ووصول الأمر إلى سابقة قضائية تمثلت في قيام محكمة الاستئناف بتقديم شكاوى جنائية ضد قضاة المحكمة الدستورية نفسها. كما انتقد التجاهل المستمر لأحكام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، واصفاً هذا المشهد بالانتهاك الواضح والصريح للدستور وللالتزامات الدولية التي تعهدت بها تركيا.
ودعا تشيليك الحكومة والمؤسسة القضائية والطبقة السياسية إلى مراجعة حساباتهم وإدراك خطورة هذا المشهد الذي يسيء لسمعة البلاد الدولية. واختتم مقالته مستعيناً بمقولة صوفية لجلال الدين الرومي تحث على تقبل النصيحة والمراجعة الذاتية: “من يملك صديقاً مخلصاً لا يحتاج إلى مرآة، فالصديق هو من يعكس صورتك الحقيقية. وإذا لم تكن صورتك في المرآة مرضية، فبدلاً من الغضب على المرآة أو حاملها، عليك بإصلاح هندامك وشعرك”.

