شهدت المياه الإقليمية قبالة سواحل جمهورية شمال قبرص التركية كارثة بحرية إثر غرق عبارة ركاب بالكامل واستقرارها في قاع البحر على عمق سحيق يصل إلى خمسمئة وأربعة عشر متراً (نحو ألف وستمئة وستة وثمانين قدماً).
الحادثة التي وقعت يوم الأحد أسفرت عن وفاة ثمانية أشخاص على الأقل، وسط تضارب طفيف في تقدير أعداد المفقودين؛ إذ تشير المصادر الرسمية إلى فقدان ثمانية عشر شخصاً، في حين نقلت وكالة الأنباء القبرصية الرسمية (TAK) أن العدد يبلغ سبعة عشر مفقوداً.
العبارة المنكوبة كانت قد أبحرت من ميناء كيرينيا (المعروف باسم “غيرنه”) في قبرص الشمالية، متجهة صوب ميناء “تاشوجو” على الساحل الجنوبي لتركيا، قبل أن تنقلب وتغرق على بعد نحو ستة كيلومترات ونصف (أربعة أميال) فقط من الساحل.
جهود الإنقاذ واستنفار أمني وبحري
كان على متن السفينة مئتان وسبعة وستون شخصاً، من بينهم مئتان وتسعة وخمسون راكباً وثمانية أفراد يمثلون طاقم الملاحة. وقد أسفرت جهود الإغاثة عن إنقاذ مئتين وواحد وأربعين شخصاً. وتواصلت عمليات البحث والإنقاذ طوال الليل دون توقف بمشاركة ثلاثة عشر سفينة ومروحيتين، تدعمها ست سفن تابعة للقوات البحرية التركية أرسلتها وزارة الداخلية في أنقرة، فضلاً عن مساهمة قوارب مدنية خاصة سارعت لتقديم العون في موقع الكارثة. بالتوازي مع ذلك، أعلنت وزارة الصحة في قبرص الشمالية استنفار كافة المستشفيات والمرافق الطبية لتقديم الرعاية العاجلة للناجين.
شهادات مروعة: “انفجار” ونقص في سترات النجاة وهروب القبطان
نقلت وسائل الإعلام شهادات حية ومروعة من ركاب نجوا من الموت بأعجوبة، حيث أجمعوا على حدوث انفجار غامض سبق الغرق. وأفاد أحد الناجين، وهو رجل في الخمسينيات من عمره، بأن دوي انفجار قوي هز الجزء الأمامي من العبارة. وأوضح أن النوافذ الجانبية تحطمت وبدأت المياه تتدفق بغزارة إلى داخل السفينة بينما حاول الطاقم الالتفاف بالعبارة دون جدوى. وأضاف الشاهد أنه قضى ساعة ونصفا في المياه قبل إنقاذه، مؤكداً أن الكثيرين كانوا لا يزالون محاصرين في الداخل عند بدء الغرق. وأطلق الشاهد اتهاماً ثقيلاً للقبطان، مؤكداً أنه كان من بين أول من غادروا السفينة دون تنظيم عمليات الإجلاء.
وتطابقت هذه الرواية مع شهادة ناجٍ آخر في الثلاثينيات من عمره، والذي أكد أنه نبه القبطان مسبقاً إلى وجود تسرب مائي. وقال إن المقاعد بدأت تطفو على سطح الماء بينما استمر القبطان في الإبحار، ليعقب ذلك انفجار في المقدمة. وفي السياق ذاته، وصف شاب يدعى إيف مستجي لشبكة “سي إن إن ترك” الصراع المرير من أجل البقاء، مشيراً إلى أن العديد من الركاب اضطروا للقفز في البحر دون سترات نجاة أو أطواق إنقاذ بسبب النقص الفادح في معدات السلامة على متن العبارة. وتظهر المقاطع المصورة التي بثها التلفزيون التركي العبارة وهي مقلوبة في الماء ويظهر ركاب يرتدون سترات نجاة فوق هيكلها البرتقالي.
احتجاز الطاقم وترقب لنتائج “الصندوق الأسود”
على الصعيد القانوني والقضائي، أعلن رئيس وزراء جمهورية شمال قبرص التركية، أونال أوستل، احتجاز قبطان السفينة وسبعة من أفراد الطاقم للتحقيق معهم.
وصرح وزير النقل، أرهان أريكلي، بأن التحقيقات تركز حالياً على ضرورة انتشال “الصندوق الأسود” الخاص بالعبارة للوقوف على الأسباب الحقيقية وراء الغرق. وأشار أريكلي إلى وجود فرضيات متعددة قيد البحث، من بينها ادعاءات باحتمال اصطدام العبارة بجسم خارجي في عرض البحر.
الخلفية السياسية وتأجيل زيارة أردوغان
تأتي هذه الكارثة لتعيد تسليط الضوء على الواقع الجيوسياسي المعقد للجزيرة المقسمة منذ عام ١٩٧٤، إثر تدخل عسكري تركي رداً على انقلاب عسكري جرى بإيعاز من أثينا لضم الجزيرة لليونان. وتسيطر جمهورية شمال قبرص التركية، المعترف بها فقط من قبل أنقرة، على الثلث الشمالي من الجزيرة وتعتمد بشكل شبه كامل على الدعم والروابط الاقتصادية والخدمية والجوية والبحرية مع تركيا.
وعلى المستوى السياسي، أثر الحادث على الأجندة الدبلوماسية؛ إذ كان من المقرر أن يزور الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قبرص الشمالية يوم الإثنين. لكن الزيارة لم تتم، حيث أعلن مكتب الرئاسة التركية عن توجه أردوغان لحضور قمة إقليمية في قيرغيزستان يومي الإثنين والثلاثاء.
وقد علق أردوغان على الفاجعة خلال مناسبة عامة قائلاً: “جهود العثور على المفقودين مستمرة بلا كلل، ونأمل في الحصول على أنباء طيبة”. ومن جهته، أكد نائب الرئيس التركي، جودت يلماز، عبر منصة “إكس” تقديم تركيا لكافة التسهيلات والمساعدات اللازمة لعمليات البحث والإنقاذ.
تساؤلات ملحة حول معايير السلامة البحرية
تثير هذه الفاجعة تساؤلات جوهرية حول مستويات الرقابة الفنية والأمان في خطوط الملاحة التي تربط تركيا بشمال قبرص، والتي تعد شرياناً حيوياً لسكان المنطقة. وتظهر شهادات الناجين فجوات خطيرة في إجراءات السلامة، لاسيما الشكاوى المتعلقة بنقص سترات النجاة وتجاهل إنذارات تسرب المياه والهروب المفترض للقبطان دون تفعيل خطة الطوارئ. إن العثور على الصندوق الأسود سيمثل منعطفاً حاسماً في التحقيقات، لتحديد ما إذا كانت الكارثة ناجمة عن قصور بشري وإهمال في أعمال الصيانة الدورية، أم أنها نتيجة حادث فني مفاجئ واصطدام غير متوقع. وفي كلتا الحالتين، فإن الكارثة تضع السلطات البحرية أمام مسؤولية تشديد الرقابة لضمان عدم تكرار مثل هذه المآسي في المستقبل.

