شهدت الأوساط السياسية التركية تفجراً لسجال علني غير مألوف داخل أروقة المعسكر الرئاسي الحاكم، إثر هجوم عنيف شنه برلماني بارز من حزب العدالة والتنمية على تلميحات صدرت من القصر الرئاسي بشأن إمكانية انسحاب أنقرة من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، مما عكس هذا التراشق في المواقف عمق التباينات الداخلية حيال التعامل مع الأحكام القضائية الدولية والملفات الحقوقية الساخنة.
مواجهة مباشرة مع أطروحات القصر
في بيان صحفي مفصل نُشر أمس حمل عنواناً عريضاً يصف المشهد بـ”كسوف العقل في صرح القانون التركي”، عبّر يلدريم طغرول توركيش، النائب عن حزب العدالة والتنمية الحاكم في أنقرة ورئيس الوفد التركي في الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا، عن رفضه القاطع للجهود الرامية إلى تقويض علاقة تركيا بالمنظومة الحقوقية الأوروبية.
واعتبر توركيش أن مناقشة احتمال تخلي أنقرة عن التزاماتها بموجب الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان لا تعدو كونها “درباً من الهذيان والخزعبلات. وشدد على أن محاولة محو التراكم السياسي والقانوني الذي بنته بلاده مع الفضاء الأوروبي على مدار عقود طويلة تمثل “حالة شلل فكري واختلال كامل في التقدير.
جذور الخلاف: تصريحات مثيرة للجدل من مستشار الرئاسة
وجاء موقف توركيش رداً مباشراً على تصريحات حادة أدلى بها محمد أوتشوم، كبير مستشاري الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في أعقاب قرار الغرفة الكبرى للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بشأن قضية عثمان كافالا؛ وهي التصريحات التي استهدف فيها أوتشوم المحكمة الأوروبية ومقرر البرلمان الأوروبي المعني بتركيا، ناتشو سانشيز أمور.
وقد دافع أوتشوم عن فكرة أن قرارات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان لا تتمتع بـ”إلزامية موضوعية حاسمة” للمحاكم الوطنية في تركيا، معتبراً أن تفسير المادة السادسة والأربعين من الاتفاقية بالشكل الذي يفرض سلطة المحكمة الأوروبية يلغي استقلالية القضاء الوطني. وحذر كبير المستشارين من أنه إذا واصلت المحكمة الأوروبية إصدار ما وصفه بـ”قرارات مسيسة ومشاريع سياسية مسبقة الصنع”، فإن مراجعة تركيا لانضمامها للاتفاقية وحق مواطنيها في تقديم التماسات فردية ستغدو أمراً لا مفر منه.
يُذكر أن تصريحات أوتشوم لاقت في وقت سابق هجوماً لاذعاً من أوساط أكاديمية وقانونية، حيث نقلت تقارير وصف البروفيسور عزت أوزغنتش لكبير مستشاري القصر بعبارات هجومية قاسية واصفاً إياه بـ”ابن آوى القصر”.
إرث ممتد وعقود من الالتزام الدولي
لإبراز تهافت دعوات الانسحاب، استشهد توركيش بالتاريخ الطويل لشراكة تركيا مع القارة الأوروبية، لافتاً إلى أن أنقرة عضو في مجلس أوروبا منذ أكثر من سبعين عاماً. وأوضح أن تركيا كانت قد قبلت بحق مواطنيها في التماس الشكاوى الفردية أمام المحكمة الأوروبية عام 1987، ثم أقرت بالولاية القضائية الإلزامية للمحكمة في عام 1990.
ويرى توركيش أن تصوير مؤسسات مثل الاتحاد الأوروبي ومجلس أوروبا ومحكمتها على أنها بلا وزن أو يمكن تجاهلها كأنها غير موجودة ينم عن قصور استراتيجي فادح. وأكد أن التموقع الجغرافي والسياسي لتركيا يفرض عليها انتهاج سياسة خارجية مرنة ومتعددة الأبعاد، تشكل العلاقات الإيجابية مع المنظومات الأوروبية ركيزة رئيسية فيها.
وحذر البرلماني التركي من أن التفريط في هذه المكتسبات الدبلوماسية والقانونية وتجاهل التبعات الهيكلية الوخيمة التي ستطال الاستقرار الاقتصادي والسياسي للبلاد على المدى الطويل يندرج تحت بند “العبث واللامسؤولية“.
السيادة القانونية وقضية كافالا
وفي تعاطيه مع ملف الناشط عثمان كافالا والملفات المشابهة التي تحولت إلى أزمات مستعصية، أكد توركيش أن حل هذه القضايا التي يصفها بـ”المستعصية والشبيهة بالغرغرينا” لا يتطلب ضغوطاً خارجية، بل يمكن تحقيقه بالكامل عبر تفعيل آليات “القانون الوطني”.
ويرى أن التطبيق العادل والأمين والدستوري الصارم للقوانين المحلية على جميع المواطنين دون تمييز أو مواربة كان ولا يزال كافياً لمنع حدوث مثل هذه الأزمات الحقوقية في الأصل. ونبّه إلى ضرورة الكف عن زج الأحكام القضائية في أتون الاستقطاب السياسي والأوهام الأيديولوجية الضارة، معتبراً أن السماح بتنفيذ القرارات القضائية يمثل انتصاراً واستعادة لسيادة القانون الوطني، وليس رضوخاً للقانون الأوروبي.
وأشار توركيش إلى أن ملف كافالا ليس إلا الواجهة الأبرز لقضية أعمّ تتعلق بتطلعات كافة المواطنين الأتراك في الحصول على قضاء عادل ونزيه وشفاف.
العدالة كركيزة للنهوض الاقتصادي
وربط توركيش بصورة مباشرة وملموسة بين فاعلية العدالة والاستقرار الاقتصادي والرفاه العام. ووفقاً لرؤيته، فإن القضاء النزيه والعدالة المتكافئة للجميع هما الركيزتان الأساسيتان اللتان لا يمكن بدونهما تحقيق نمو اقتصادي أو تحضر مجتمعي.
وحذر من أن الدول التي تتهاون في حماية منظومتها القضائية لا تقتصر معاناتها على تراجع الحريات والعدالة، بل تواجه بشكل حتمي انهيارات اقتصادية متتالية وتدهوراً لسمعتها ومكانتها الدولية. وتساءل مستنكراً عما إذا كان أولئك الذين يدفعون بتركيا نحو هذا المنحدر يدركون فداحة الأذى والضرر الذي يلحقونه بالبنية الأساسية للدولة ومصالح المواطنين.
وأنهى توركيش أطروحته بالإشارة إلى أن المبادئ القانونية العالمية ومفاهيم العدالة المشتركة هي حاجة ملحة وأساسية لجميع الأتراك في حاضرهم ومستقبلهم. وتهكم على فكرة التفكير بالانسحاب من المعاهدة قائلاً إن إجراء حوار بسيط مع تطبيقات الذكاء الاصطناعي كفيل بإيضاح مدى العبثية والغرابة التي تنطوي عليها فكرة مغادرة تركيا للاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، واصفاً الترويج العلني لهذه الأفكار من قبل مسؤولين كبار بأنه يعكس “سريالية عبثية شبيهة بعوالم كافكا“.
أبعاد الصراع الداخلي ودلالاته الاستراتيجية
تتجاوز هذه المواجهة الساخنة بين توركيش وأوتشوم مجرد نقاش قانوني حول حكم قضائي، لتعري صراعاً داخلياً عميقاً ومكتوماً بين تيارين داخل النخبة الحاكمة في تركيا. يتصدر التيار الأول شخصيات براغماتية ومؤسسية تاريخية ترى أن بقاء تركيا تحت مظلة القوانين والمؤسسات الغربية والأوروبية يعد صمام أمان حيوياً للحفاظ على ثقة المستثمرين الأجانب وإنقاذ الاقتصاد التركي من كبواته المتتالية. في المقابل، يدفع التيار الثاني، الممثل ببعض مستشاري الرئاسة وحلفائهم من القوميين المتشددين، نحو تبني نزعة سيادية راديكالية ترفض “الإملاءات الخارجية” حتى لو تطلب الأمر التضحية بصلات تاريخية ممتدة مع القارة الأوروبية.
وفي ظل المساعي التركية الحثيثة لتحقيق توازن معقد بين جذب رؤوس الأموال الغربية لتجاوز الأزمات الاقتصادية الخانقة والحفاظ على هيبة القرار الداخلي، فإن مآلات هذا السجال ستحدد إلى حد بعيد الملامح القادمة للتوجه الاستراتيجي الخارجي لأنقرة ومستقبل علاقتها الهيكلية بالغرب.

