تشهد منطقة الشرق الأوسط حراكاً جيوسياسياً متسارعاً يعيد رسم تحالفاتها الأمنية والاقتصادية، وسط توترات متصاعدة تنذر بمواجهة إقليمية أوسع. وفي قلب هذا المشهد المتفجر، تبرز تساؤلات حاسمة حول طبيعة التحركات الإسرائيلية تجاه تركيا، وما إذا كانت تل أبيب تسعى جاهدة لجر أنقرة إلى مواجهة عسكرية مباشرة، بهدف تقويض مقاربة الإدارة الأمريكية للمنطقة وإعادة صياغة موازين القوى بما يخدم طموحاتها التوسعية.
كمين “الظهور”: سيناريو استدراج أنقرة عبر البوابة السورية
تكشف تقديرات أدلى بها توم باراك، السفير الأمريكي السابق في أنقرة والمبعوث الخاص السابق إلى سوريا والعراق، عن محاولات إسرائيلية حثيثة لدفع تركيا إلى منزلق الصدام العسكري. ووفقاً لباراك، فإن الهجوم الجوي الإسرائيلي الذي استهدف قاعدة “الظهور” العسكرية في الشمال السوري -والتي تبعد نحو 64 كيلومتراً فقط عن الحدود التركية- لم يكن ضربة روتينية، بل كان بمثابة “طُعم” أُعد بدقة لاستدراج القوات التركية وتضليلها.
وكان الهدف العملياتي من هذه الضربة، التي بررها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو علناً بمنع تركيا من نشر قواتها هناك، هو إثارة حالة من الذعر لدى الجانب التركي ودفعه لإسقاط مقاتلة إسرائيلية. وتذهب السيناريوهات المسربة إلى أن تل أبيب توقعت سقوط ضحايا في صفوف وفد تركي كان متواجداً في القاعدة المستهدفة أثناء الهجوم، مما كان سيجبر أنقرة على رد عسكري حاد تفادياً لظهورها بمظهر الضعيف، مما يؤدي لإسقاط طائرة إسرائيلية ومقتل أو أسر طياريها.
ومن المنظور الإسرائيلي، فإن هذا الصدام كان سيتيح لتل أبيب تقديم نفسها في واشنطن والكونغرس والمحافل الدولية كضحية لـ”عدوان تركي مفاجئ”، مما يطلق حملة سياسية وإعلامية واسعة النطاق لشيطنة أنقرة وإنهاء دفء علاقاتها الإستراتيجية مع البيت الأبيض في عهد دونالد ترامب.
صدام الرؤى في واشنطن: “الشرق الأوسط الجديد” مقابل “إسرائيل الكبرى“
خلف هذا التوتر الميداني، يدور صراع مكتوم ومعقد داخل أروقة صناعة القرار في واشنطن، يضع رؤيتين متباينتين للمنطقة في مواجهة مباشرة. فمن جهة، يتبنى جاريد كوشنر، مستشار وصهر الرئيس دونالد ترامب، مشروعاً يسعى لإدماج المنطقة في النظام الاقتصادي والسياسي العالمي تحت المظلة الأمريكية، من خلال عزل إيران وتفكيك التنظيمات المسلحة في المنطقة مثل حركة حماس وحزب العمال الكردستاني، تمهيداً لسلام شامل يبدأ بتطبيع العلاقات بين إسرائيل والمملكة العربية السعودية لتقود بقية العالم العربي نحو هذا المسار.
وتقوم رؤية كوشنر الإقليمية على تفعيل أدوات “القوة الناعمة”؛ إذ يرى ضرورة دمج قطاع غزة والضفة الغربية اقتصادياً وتحويلهما إلى مركز تجاري يعتمد على العمالة الفلسطينية لصالح الاقتصاد الإسرائيلي، بدلاً من سياسة العنف المفرط والقتل والتنكيل التي يرى أنها لن تنهي الوجود الديموغرافي للفلسطينيين والعرب بالمنطقة.
في المقابل، يقف اليمين الإسرائيلي بزعامة نتنياهو في تضاد كامل مع هذا التوجه الناعم، مستنداً إلى قناعة بأن المنطقة لا تفهم إلا لغة القوة العسكرية المباشرة لفرض الأمر الواقع. وتسعى الحكومة الإسرائيلية الحالية لتنفيذ أجندة “تيو-سياسية” (لاهوتية سياسية) مستمدة من المرجعيات الدينية التوراتية، تهدف إلى إقامة “إسرائيل الكبرى” عبر ضم قطاع غزة والضفة الغربية بالكامل، واحتلال أجزاء واسعة من جنوب لبنان حتى نهر الليطاني، فضلاً عن السيطرة على العاصمة السورية دمشق ومحيطها وسلسلة الجبال الحدودية السورية-اللبنانية. ويترافق هذا التوجه مع خطابات متطرفة لبعض الوزراء الإسرائيليين الذين يصفون عمليات القتل والتهجير بأنها “واجبات مقدسة”، مطالبين بقتل عشرات الفلسطينيين يومياً في غزة كأمر إلهي لتأمين بقاء إسرائيل.
“العثمانية الجديدة” والوكالة الأمريكية: الدور التركي المقترح
وفي إطار الخطة الأمريكية التي يروج لها توم باراك، يُنظر إلى تركيا كـ “دولة قائدة” ومحورية لإدارة التحول الإقليمي، وهو ما يفسر وصف باراك للدور التركي المستقبلي بالبنية “العثمانية الجديدة”. وبحسب هذا التصور، يُفترض أن تتولى أنقرة الريادة السياسية والاقتصادية والأمنية لإعادة إعمار وهيكلة مؤسسات وأجهزة الأمن في سوريا والعراق ولبنان لإخراجها من دائرة الصراع، بدعم مالي سخي من دول الخليج وفي مقدمتها السعودية وقطر.
كما تتضمن الخطة ربط موانئ المنطقة وشبكات نقل الطاقة والطرق والسكك الحديدية من الخليج العربي إلى البحر الأبيض المتوسط، ليكون ميناء حيفا الإسرائيلي مركزاً رئيسياً لهذا الممر التجاري الرابط بين الهند وأوروبا. وتحت هذا التصور، يُعهد بملف القضية الكردية في تركيا وسوريا والعراق وإيران إلى الرعاية والوصاية التركية المباشرة، من خلال صيغة اندماجية تشبه الفيدرالية أو الكونفدرالية، تضمن تخلي الجماعات المسلحة الكردية عن العمل العسكري ضد الغرب وحلفائه.
بيد أن الجانب المثير للجدل في هذه المقاربة الأمريكية -كما يشير باراك بوضوح- هو افتقاره التام للبُعد الديمقراطي البرلماني؛ إذ يرى واضعو السياسة في فريق ترامب أن الأنظمة الديمقراطية الغربية قد فشلت في الشرق الأوسط، وأن الأنظمة الأوتوقراطية والملكية هي النموذج الأمثل لضمان تدفق النفط ورؤوس الأموال واستقرار حركة التجارة.
أزمة الثقة في واشنطن: “دولة داخل الدولة” ومخاوف الحروب اللانهائية
تدرك إسرائيل أن مخططات كوشنر الناعمة قد تحد من حريتها المطلقة في التوسع العسكري وتثبيت نفوذها بالقوة، ولذلك تسعى جاهدة لتوريط الولايات المتحدة في “حروب لانهائية” بالمنطقة. ويرى نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس أن إسرائيل تحاول دفع واشنطن نحو صراعات مستمرة قد تفقدها مكانتها كقوة عظمى وريادتها العالمية، لا سيما في ظل رغبة تل أبيب في جر الجيش الأمريكي إلى مستنقع صراع دائم ومباشر مع إيران وحلفائها.
وتعكس كواليس العاصمة الأمريكية صراع نفوذ شرس؛ حيث تملك إسرائيل دعماً هائلاً في الكونغرس والبيروقراطية الأمريكية يتيح لها أحياناً تجاوز الرئيس نفسه. وتشير الروايات إلى غضب ترامب في إحدى المناسبات بعد قيام أحد وزرائه بتقديم إيجاز أمني للمسؤولين الإسرائيليين قبل إطلاع الرئيس عليه، مما دفعه لإقالة الوزير فوراً، مستشعراً وجود هيكل يعمل كـ “دولة داخل الدولة” لصالح تل أبيب.
انحسار الدعم وتآكل الحصانة التاريخية لإسرائيل
رغم نفوذها التقليدي، تواجه إسرائيل أزمة وجودية طويلة الأمد داخل المجتمع الأمريكي؛ إذ تشير المعطيات إلى تآكل سريع في شعبيتها، حيث يبدي نحو 70% من الشباب الأمريكي معارضتهم لسياساتها، بينما يتزايد ابتعاد الناخبين الديمقراطيين عنها بسبب انتهاكات حقوق الإنسان المروعة.
وعلى جبهة الحزب الجمهوري، تتصاعد أصوات حركة “أمريكا أولاً” (MAGA) التي تندد بتقديم عشرات المليارات من المساعدات العسكرية المجانية لإسرائيل، معتبرة أن هذه التضحيات في الشرق الأوسط تعد ضرباً من “الغباء الإستراتيجي”، ومطالبة بوقف الدعم المجاني وإلزام إسرائيل بدفع ثمن الأسلحة التي تحصل عليها، تماماً كما جرى التعامل مع ملف المساعدات الأوكرانية.
هذا التراجع انعكس عملياً في الانتخابات التمهيدية الأمريكية، حيث خسر مرشحون مدعومون من جماعات الضغط اليهودية مواقعهم، مما دفع بعض المرشحين للسعي بنشاط لإثبات عدم تلقيهم أي دعم مالي أو سياسي من تلك المنظمات تجنباً لخسارة أصوات الناخبين. وأمام هذا المنحنى التنازلي، تسابق حكومة نتنياهو الزمن مستشعرة أن نافذة الدعم الأمريكي المطلق قد تغلق مستقبلاً، مما يدفعها لتسريع وتيرة الاستيطان والتوسع، ومحاولة جر واشنطن إلى صراع حتمي (حرب هرمجدون) لربط مصير واشنطن بتل أبيب بشكل لا يمكن الفكاك منه.
الخلاصة: تحذيرات من فخ “الاشتباك المنضبط“
في المحصلة، لا يهدف مخطط نتنياهو إلى شن حرب شاملة ومفتوحة ضد تركيا كالحرب الجارية ضد إيران، بل يسعى إلى إثارة استفزازات ميدانية مدروسة تفضي لـ “اشتباك منضبط” يضع أنقرة في مربع الاتهام الدولي ويعزلها إقليمياً لإفشال مشروع كوشنر الإقليمي. ويعد دخول تركيا في حلف أمني مشترك مع باكستان والمملكة العربية السعودية (اتفاقية مكة) -والذي ينص على الدفاع المشترك- مؤشراً على تصاعد حدة الاستقطاب الإقليمي، مما يفرض على صانع القرار في أنقرة التزام أقصى درجات الحذر لتفادي الوقوع في الكمائن الإسرائيلية المعدة لتقويض دورها وصرفها عن قيادة التحول المنشود في المنطقة.

