بقلم: سليم نيازي أوغلو
تشهد منطقة الشرق الأوسط تحولات جذرية تتجاوز في أبعادها التسويات المؤقتة، لترسم ملامح مرحلة سياسية جديدة تقوم على تقليص مناطق النفوذ المباشر والمنفصل لصالح تفعيل مؤسسات الدولة الوطنية وتوحيدها
. هذا التحول يتجلى بوضوح في مسارين إقليميين متوازيين:
- مسار عسكري مؤسساتي سوري ينزع نحو توحيد الجغرافيا وإنهاء الكيانات المسلحة الموازية لصالح الجيش النظامي.
- مسار دبلوماسي تفاوضي خليجي يسعى لاحتواء الأزمة المتفجرة في مضيق هرمز وإدارتها عبر وساطات إقليمية تحت وطأة الضغوط الاقتصادية والردع العسكري المتصاعد.
تعكس هذه التطورات مجتمعةً انتقال الاستراتيجية الدولية والإقليمية من رعاية الفراغ أو إدارة الأزمات المفتوحة إلى محاولة فرض قواعد لعب جديدة تضمن الاستقرار المؤسسي وتحد من فرص صعود التنظيمات المتطرفة.
الملف السوري: تفكيك “قسد” واختبار بناء الدولة الموحدة
دخل المشهد السوري منعطفاً حاسماً بإعلان قائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، مظلوم عبدي، إنهاء دور هذه القوات بوصفها كياناً عسكرياً مستقلاً عن الدولة. وجاء هذا الإعلان عقب لقاء عُقد في قصر الشعب بدمشق جمع عبدي بالرئيس السوري أحمد الشرع، حيث تم الاتفاق على حل الكيان العسكري لـ “قسد” ودمج تشكيلاتها المقاتلة بالكامل ضمن ألوية الجيش السوري ومؤسسات الدولة الرسمية. يمثل هذا التحول إنهاءً حقيقياً لحالة الازدواجية الأمنية والعسكرية التي هيمنت على منطقة شمال شرق سوريا طيلة سنوات الصراع، حيث أدارت “قسد” سابقاً هياكل أمنية وإدارية وعسكرية منفصلة تماماً عن سلطة الحكومة المركزية.
معادلة الاندماج الكردي بين الوحدة السيادية والهوية الثقافية
تقوم الصيغة الجديدة للتوافق بين دمشق والمكون الكردي على ركيزتين متلازمتين لا تنفصمان:
- تسييد سلطة الدولة الأمنية والعسكرية لضمان وحدة القرار السيادي وإنهاء السلاح خارج إطار المؤسسات الرسمية.
- الاعتراف بالتنوع القومي والثقافي وحماية الخصوصيات المحلية للمكونات المختلفة لمنع التهميش.
وفي هذا السياق، كشف مظلوم عبدي عن انفتاح الرئيس أحمد الشرع على كفالة حق الأكراد في تلقي التعليم بلغتهم الأم (الكردية). هذا التوجه يفتح نافذة لصياغة عقد وطني يجمع بين وحدة المؤسسات وحرية التعبير الثقافي واللغوي، مما يحول دون تحول الاندماج إلى سياسة دمج قسري تعيد إنتاج المركزية الإقصائية الصلبة. وتعد قدرة السلطة المركزية على توسيع نفوذها دون طمس الهوية الثقافية بمثابة المحك الفعلي لنجاح هذا النموذج الاستيعابي الجديد وإدارة التنوع الوطني.
أهمية التجربة الكردية كنموذج استرشادي لبقية المكونات
لا يقف أثر هذا الاتفاق عند جغرافيا شمال شرق سوريا، بل يمتد ليكون نموذجاً تراقبه مكونات سورية أخرى تعيش هواجس أمنية وسياسية مماثلة.
- سابقة إيجابية قابلة للتطبيق: يمثل نجاح الدمج الكردي مع الحفاظ على التفاهمات الثقافية سابقة إيجابية يمكن البناء عليها وتطبيقها في مناطق ومكونات أخرى، مثل الدروز والعلويين وغيرهم من الفئات المجتمعية التي تمتلك مخاوف أمنية خاصة.
- ضمانات الطمأنة الوطنية: يوفر هذا المسار ضمانات طمأنة بأن الانخراط في كنف الدولة لا يعني فقدان الذاتية أو التخلي عن الحقوق الأساسية والهوية المحلية.
- مخاطر الارتداد المركزي: بالمقابل، فإن أي تعثر في تطبيق الاتفاق أو الارتداد نحو الهيمنة المركزية الإقصائية سيعزز من مخاوف تلك الأطراف ويحثها على التمسك بأدوات الحماية الذاتية خارج نطاق الدولة خشية فقدان مكتسباتها السياسية والأمنية دون بدائل حقيقية.
الانعطاف الاستراتيجي في الموقف الأمريكي
جاء الموقف الأمريكي ليعكس تغيراً جوهرياً في أولويات واشنطن تجاه الملف السوري؛ إذ وصف المبعوث الأمريكي الخاص توم باراك هذا الاندماج بـ “التطور التاريخي بكل معنى الكلمة“، موضحاً أن إدارة الرئيس دونالد ترامب هي من مهدت الطريق أمام إنجاز هذا المسار. تشير هذه القراءة الأمريكية إلى تخلي واشنطن عن صيغة الشراكة المباشرة والمستقلة مع فصيل مسلح خارج إطار الدولة، والانتقال بدلاً من ذلك نحو تشجيع الشراكة الوطنية داخل بنية الدولة السورية الواحدة.
ترى واشنطن اليوم أن تماسك مؤسسات الدولة السورية ووحدة جيشها يمثلان صمام الأمان الأساسي لمنع الفوضى وقطع الطريق أمام عودة التنظيمات الجهادية والمتطرفة كـ “داعش”. وبذلك، يتحول الدور الأمريكي من الرعاية العسكرية المباشرة للفصائل الكردية إلى دور سياسي ودبلوماسي يركز على تيسير تنفيذ الاتفاقات ومراقبة توازنات الحقوق والأمن.
تعقيدات وحساسيات المسار التنفيذي للدمج
رغم الترحيب السياسي والتاريخي بالاتفاق، فإن تفاصيله الميدانية تظل حافلة بالتحديات الحساسة التي تتطلب حكمة بالغة وإدارة دقيقة لضمان عدم انهيار جدار الثقة.
- الملف العسكري: يتطلب الدمج العسكري معالجات فنية تفصيلية ترتبط بتسوية الرتب العسكرية، وتحديد مراكز القيادة والانتشار العملياتي والهياكل التنظيمية للمقاتلين السابقين.
- الملف الأمني: يحتاج دمج الكيانات الأمنية إلى رسم حدود الصلاحيات الدقيقة للأجهزة المختلفة وتحديد آليات التنسيق الهيكلي مع المركز في دمشق.
- الملف الإداري: يواجه دمج الهيئات الإدارية والمدنية تحديات ربط المؤسسات المحلية بالوزارات الاتحادية وتوحيد القوانين المنظمة للخدمات.
- مصير القيادات الكردية: تمثل تسوية أوضاع القيادات السابقة في “قسد” ملفاً سياسياً بالغ الدقة؛ حيث يتطلب الحفاظ على الثقة المتبادلة وتفادي شعور الأكراد بأن العملية هي مجرد تفكيك أحادي الجانب لقدراتهم.
أزمة مضيق هرمز: تقاطع الردع العسكري والتفاوض تحت الضغط
في الضفة الأخرى من المشهد الإقليمي، يتصاعد التوتر في مضيق هرمز مع سعي الولايات المتحدة لفرض “عزل اقتصادي” شامل على طهران من خلال توسيع حزم العقوبات المالية والتجارية ضد الكيانات والسفن المرتبطة بالمنظومة الإيرانية. وفي مواجهة هذا الخناق، تسعى إيران لتوظيف موقعها الجغرافي وهيمنتها على الملاحة في المضيق كأداة ضغط استراتيجية لربط حرية الحركة الملاحية بتخفيف العقوبات والحصول على ضمانات سياسية وأمنية شاملة من واشنطن. هذا التعارض البنيوي يخلق مواجهة مستمرة؛ حيث ترى واشنطن في إغلاق المضيق أو تهديد أمن السفن خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه، وتلجأ للردع العسكري وحظر الألغام لحماية التجارة الدولية.
التحركات التفاوضية والوساطة الباكستانية
في ظل هذا الاحتقان العسكري، برزت باكستان كوسيط إقليمي يسعى لبناء قنوات اتصال غير مباشرة بين طهران وواشنطن لمنع انفجار مواجهة إقليمية شاملة:
- الجهود الباكستانية الميدانية: قام قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير، ترافقه بعثة وزارية بقيادة وزير الداخلية محسن رضا نقوي، بزيارة تفاوضية إلى طهران لبحث سبل خفض التصعيد وإعادة فتح المضيق والوصول لتسوية تفاوضية للصراع.
- طبيعة التحرك: لم تكن المهمة الباكستانية موجهة لنقل إنذارات أو تهديدات أمريكية، بل لتهيئة البيئة التفاوضية وصياغة الموقف الإيراني وشروطه لنقلها إلى واشنطن.
- الشرط الإيراني الجوهري: يتمثل الشرط الإيراني المركزي لاستئناف الحوار في ضرورة عودة الإدارة الأمريكية إلى التزامات “مذكرة إسلام آباد” وتفعيل بنودها، لا سيما الشق المتعلق بالترتيبات الأمنية والملاحية الخاصة بمضيق هرمز.
تؤكد هذه الشروط رغبة طهران في عدم تفكيك أزمة هرمز كمسألة أمن بحري معزولة، بل دمجها في إطار تسوية سياسية واقتصادية شاملة تنهي العقوبات وتلزم واشنطن بخطوات عملية.
المسار العملياتي المشترك: الإطار العُماني الإيراني
على الصعيد العملي والميداني، فتحت سلطنة عُمان مساراً فنياً موازياً مع إيران يهدف إلى معالجة الملف بطريقة تدريجية ومرحلية:
- الممر الملاحي المؤقت: اتفق الجانبان على إطلاق ممر ملاحي مؤقت ومشترك في مضيق هرمز لتسهيل حركة الناقلات.
- تأمين المياه الدولية: يتضمن الاتفاق التعاون التقني في إزالة الألغام البحرية لتأمين السفن العابرة.
- الرؤية المستدامة: استمرار التفاوض الفني بين مسقط وطهران للوصول إلى صيغة دائمة لإدارة المضيق وترتيبات ملاحية مستدامة.
يتميز الدور العُماني بارتباطه المباشر بجغرافيا المضيق، مما يمنحه بعداً عملياً قادراً على تجزئة الأزمة الكبرى إلى تفاهمات مرحلية تختبر النوايا المتبادلة دون إلزام الأطراف بتنازلات نهائية مسبقة، ويمنح الأطراف مساحة للمناورة.
لغة القوة والردع الأمريكي في المضيق
يقابل هذا التحرك الدبلوماسي موقف أمريكي صارم يقوده الرئيس دونالد ترامب، والذي أعلن اكتمال عمليات إزالة وتفجير الألغام المزروعة في المياه الدولية للمضيق. ووجه ترامب تحذيراً شديد اللهجة متوعداً بتدمير أي زورق أو سفينة تحاول العودة لزرع الألغام المهددة للملاحة.
هذا الردع العسكري المباشر يأتي في وقت سجلت فيه تدفقات النفط عبر المضيق تراجعاً حاداً بلغ خمسة ملايين برميل يومياً فقط، مقارنة بنحو عشرين مليون برميل قبل تفجر الصراع، وهو انخفاض حاد يعكس حجم الاضطراب الاستراتيجي في هذا الممر الحيوي للطاقة العالمية وقلق شركات الشحن الدولي.
التحدي الاستراتيجي المستقبلي: تآكل فعالية ورقة المضيق
تواجه طهران معضلة استراتيجية طويلة الأجل تتمثل في أن قدرتها على استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط ليست ثابتة ومطلقة:
- البدائل الخليجية المستدامة: تعمل دول الخليج العربية منذ سنوات وبشكل متسارع على تشييد وتطوير خطوط أنابيب ومنافذ تصدير بديلة تتجاوز المضيق لتقليل الاعتماد الكلي عليه.
- تراجع الوزن الجيوسياسي: يؤدي نجاح هذه البدائل النفطية تدريجياً إلى إضعاف التأثير الجيوسياسي للمضيق، وتقليل فاعلية طهران في استخدامه لفرض مساومات اقتصادية أو سياسية شاملة على المجتمع الدولي في المستقبل.
ملامح الشرق الأوسط في مرحلة الانتقال المؤسسي
تتقاطع التحولات الجارية في الساحتين السورية والخليجية لتكشف عن ملامح نظام إقليمي يعيد ترتيب أوراقه بعيداً عن الفوضى المفتوحة والكيانات المسلحة المنفصلة. فبينما تقف سوريا أمام فرصة تاريخية لإعادة إرساء شرعية الدولة وجيشها الموحد مع اختبار قدرتها على احتضان التنوع المجتمعي، تواجه إيران تحدياً معقداً يوازن بين ضغوط العقوبات الأمريكية وسعيها لانتزاع تسوية سياسية شاملة عبر بوابات عُمان وباكستان ومضيق هرمز.
إن العبور نحو استقرار حقيقي ومستدام في المنطقة لن تصنعه التفاهمات اللفظية، بل يتوقف على القدرة على تحويل الممرات المؤقتة والاتفاقات السياسية الأولية إلى مؤسسات فاعلة وقواعد دولية تحترم السيادة وتدير الخلافات ضمن القنوات السياسية والدبلوماسية لا عبر فوهات البنادق.

