تتناول التحليلات المعمقة للكاتب الصحفي والمحلل السياسي التركي سعيد صفاء مشهداً سياسياً تركياً معقداً، يصفه بأنه محاولة ممنهجة لإعادة تصميم المسرح السياسي عبر أدوات “دائرة الحرب الخاصة” وجهاز الدولة العميق. ويرى صفاء أن هناك “ضغطاً على الزناد” قد بدأ بالفعل، ليس فقط لتعزيز سلطة القصر الحالية، بل للتمهيد لمرحلة ما بعد أردوغان، وسط حالة من التخبط والقلق الأمني داخل أروقة الحكم.
فوبيا الانقلاب وتوظيف الخطاب العسكري
يشير سعيد صفاء، في تحليل عبر موقع يوتيوب، إلى أن النظام التركي بقيادة أردوغان يعيش حالة من الذعر الدائم من فكرة “الانقلاب”، وهي فوبيا لا يستطيع التخلص منها، خاصة وأن أركان النظام يدركون جيداً خفايا تحركات الدولة العميقة. وفي هذا السياق، يحلل صفاء قضية توقيف الأدميرال المتقاعد توركر أرتورك بعد تصريحاته حول حتمية تغيير السلطة، سواء كان ذلك بـ”ألم أو بدون ألم”.
ويرى المحلل أن هذه التصريحات، التي تشبه إلى حد بعيد عبارة الراحل نجم الدين أربكان الشهيرة “بالدم أو بدون دم”، تُستخدم كذريعة من قبل القصر لترهيب المعارضة وشد أزر القاعدة الانتخابية لحزب العدالة والتنمية، من خلال الإيحاء بأن “الوصاية العسكرية” لا تزال قائمة، مما يمهد الطريق لتصفيات جديدة داخل البيروقراطية الأمنية.
استهداف الكيانات الدينية والاجتماعية: ملف “السليمانيين” نموذجاً
ينتقل صفاء لتحليل الهجمة الشرسة على جماعة “السليمانيين”، موضحاً أن النظام الحالي ينقسم إلى جناحين: جناح دولجي وجناح ديني، حيث يُصور أردوغان كـ”ولي أمر” تجب طاعته شرعاً. ويؤكد صفاء أن استهداف السليمانيين جاء نتيجة رفضهم تقديم البيعة المطلقة للقصر، مما دفع أجهزة “الحرب الخاصة” لشن حملة بروباغندا سوداء ضدهم.
ويفند صفاء الاتهامات الموجهة للجماعة، مثل تهريب الأموال أو استخدام تطبيقات تواصل سرية، معتبراً إياها اتهامات مثيرة للسخرية؛ إذ إن غسل الأموال الحقيقي يتم في جزر “فيرجين” و”مان” و”مالطا” التي يعرفها المقربون من السلطة جيداً، وليس في كندا أو ألمانيا. كما يشدد على أن حرية التواصل مكفولة دستورياً، وأن استخدام تطبيقات مشفرة هو رد فعل طبيعي لمجتمع يخشى تجسس السلطة وكيدها.
أدوات التوجيه الإعلامي و”بيادق” الحرب الخاصة
يسلط سعيد صفاء الضوء على شخصيات يعتبرها “أدوات تشغيلية” يتم تحريكها عند الحاجة لتنفيذ أجندات معينة، ومن أبرزها الشيخ “جبلي أحمد” (أحمد محمود أونلو) الذي يصفه بأنه عنصر تم تجنيده منذ أمد بعيد من قبل دائرة الحرب الخاصة، بعد الإمساك عليه في قضايا أخلاقية وشخصية. ويرى صفاء أن مهمة “جبلي” هي العمل كمقاول ديني لمهاجمة الجماعات التي لا تخضع للسلطة، مثلما يفعل الآن مع جماعة “إسماعيل آغا” والسليمانيين، طامعاً في أن يتم تعيينه “وصياً” على هذه الكيانات الدينية، مع الاستمرار في حياة البذخ التي يعيشها بعيداً عن زهد النبي الذي يدعي اتباعه.
ومنها أيضًا السياسي السابق أركان مومجو الذي يعتبره صفاء “بيدقاً” سياسياً ظهر مجدداً في المشهد لمحاولة تبرئة ساحته من حقبة الوصاية العسكرية السابقة، خاصة دوره في أزمة الانتخابات الرئاسية (أزمة الـ ٣٦٧) الهادفة لعرقلة صعود عبد الله غول إلى منصب الرئاسة عام ٢٠٠٧. ويرى المحلل أن كشف مومجو عن اتفاقات سرية جرت في ٢٠٠٧ بين أردوغان وقائد الأركان الأسبق ياشار بويوك آنيط حول تصفية حركة كولن والكيانات المماثلة هو جزء من عملية “تصفية حسابات” وإعادة تموضع داخل المعسكر الحاكم.
يستند صفاء إلى وثائق “ويكيليكس” ليصف الإعلامية نوراي باشاران بأنها كانت “مخبراً” للسفارة الأمريكية، والآن يتم توظيفها لشن هجمات على الحزب الجيد عبر ادعاءات وصول “طائرة محملة بالأموال” من الخارج لتمويله. ويحلل صفاء هذه الادعاءات بوصفها تهديداً مبطناً للحزب الجيد ولرئيسته السابقة ميرال أكشنار، تهدف لإجبار الحزب على السير وفق رغبات القصر أو مواجهة مصير مجهول.
حصار منصور يافاش وهندسة ما بعد أردوغان
يرى صفاء أن هناك مخططاً خماسياً لمحاصرة رئيس بلدية أنقرة، منصور يافاش، عبر ربطه بجماعات دينية (مثل مزاعم توظيفه آلافا من جماعة السليمانيين في البدلية) لضرب شعبيته وتدجينه سياسياً. ويؤكد أن يافاش، بطبيعته “الدولجية”، قد يجد نفسه مضطراً للسير في الطريق الذي ترسمه له أجهزة الدولة تحت مسمى “بقاء الدولة”، خاصة وأنه يطمح للرئاسة.
ويخلص المحلل إلى أن كل هذه التحركات الإعلامية والقضائية المتزامنة تشير إلى أن النظام يبني “سداً من الجليد” أمام نهر التغيير الجارف. ومع تدهور الحالة الصحية لأردوغان وفقدانه القدرة على حمل ثقل جسده (كما ظهر في احتفالات ذكرى تأسيس الحزب)، يسابق الموالون له الزمن لتأمين مستقبلهم عبر البروباغندا السوداء، خوفاً من لحظة الانهيار الوشيكة لهذا “السد الجليدي” الذي سيذوب بمجرد غياب رأس النظام.

