يرى الكاتب الصحفي التركي آدم سنمان أن المشهد الديني في تركيا يمر بمرحلة مفصلية تتجاوز مجرد الإجراءات القانونية ضد جماعة بعينها، لتصل إلى إعادة تشكيل الهوية الدينية للمجتمع التركي برمته.
في مقاله بموقع “بولد” الإخباري التركي، يؤكد سنمان أن العملية التي بدأت قبل أيام ضد “جماعة سليمان أفندي” (سليمان حلمي طوناخان) تمثل حلقة في سلسلة من التحولات التي قد تؤدي إلى تصفية ما يسمى “الإسلام الأناضولي” التقليدي.
جذور الهوية الدينية الأناضولية وصمودها التاريخي
يستعرض سنمان العمق التاريخي للتدين في الأناضول، موضحاً أن التقاليد السنية الحنفية والتصوف شكلت لقرون درعاً ثقافياً ودينياً في تركيا. ورغم السياسات الصارمة التي فُرضت خلال المراحل الأولى من تأسيس الجمهورية وفترة الحزب الواحد، إلا أن هذا الإرث حافظ على تأثيره المجتمعي ولم يندثر. هذا النمط من التدين، الذي استمد مرجعيته من العهدين السلجوقي والعثماني، قدم نموذجاً وسطياً وقف حائلاً أمام التفسيرات الراديكالية الوافدة من الشرق الأوسط، وشكل توازناً استراتيجياً ضد النفوذ السياسي والفكري الشيعي المتمركز في إيران، لا سيما في مناطق شرق الأناضول.
جماعة سليمان أفندي.. شبكة اجتماعية مهددة
يشير الكاتب إلى أن “جماعة سليمان أفندي” تعد واحدة من كبرى الهياكل الدينية في تركيا، حيث تستمد جذورها من الطريقة النقشبندية. وقد نجحت الجماعة منذ عشرينيات القرن الماضي في بناء مؤسسات قوية تعتمد على شبكة واسعة من دور تحفيظ القرآن وسكن الطلاب، مما منحها قاعدة اجتماعية عريضة. ويرى سنمان أن إضعاف هذه الجماعة مالياً وقانونياً سيخلق فراغاً هائلاً في النسيج الاجتماعي، نظراً لآلاف الطلاب المرتبطين بمرافقها، وهو فراغ لا يمكن ضمان قدرة المؤسسات الرسمية التابعة للمؤسسة الدينية الرسمية أو الدولة على ملئه بشكل فعال.
مسار التصفية وإعادة تشكيل المجال الديني
وفقاً لتحليل آدم سنمان، فإن عملية التحول الحالية تسارعت بشكل ملحوظ بعد عام 2010 مع تصفية “حركة الخدمة”، التي كانت تمثل ثقلاً كبيراً في التقاليد السنية التركية. هذا المسار لم يتوقف عند حركة الخدمة، بل امتد ليشمل تفتت جماعات صوفية أخرى؛ فبعضها انخرط في العمل السياسي والتبعية للحزب الحاكم مما أفقده تأثيره المستقل، مثل ما حدث من انقسامات داخل “جماعة منزل” و”جماعة محمود أفندي”، وتراجع نفوذ “إسكندر باشا”. ويخلص الكاتب إلى أن هذه التفاعلات أدت إلى تآكل التدين التقليدي الذي تشكل عبر القرون نتيجة التدخلات السياسية من جهة، والتمزق الداخلي للجماعات من جهة أخرى.
مخاطر الفراغ وتمدد التيارات الوافدة
يحذر سنمان من أن تقويض المرجعيات الدينية التقليدية يفتح الأبواب أمام بدائل أكثر راديكالية أو غريبة عن البيئة التركية. ومن أبرز هذه التهديدات:
صعود التيار المتشدد: أدى ضعف الرقابة على الحدود وظروف الحرب في سوريا إلى ظهور تيار انعزالي وراديكالي داخل تركيا منذ التسعينيات. وتجد هذه الأفكار صدىً متزايداً بين الفئات المهمشة اقتصادياً أو الباحثين عن هوية بديلة في ظل غياب الرموز الدينية التقليدية.
النفوذ الشيعي الإقليمي: تزايد حضور الهياكل الشيعية في تركيا بعد الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979، واكتسب هذا الحضور زخماً أكبر مع صعود حزب العدالة والتنمية، حيث تغلغلت بعض هذه التأثيرات في أوساط حركات الإسلام السياسي مثل “رؤية ملي” (Milli Görüş) والبيروقراطية الحكومية.
مآلات المستقبل والتحول الاجتماعي
ينتهي آدم سنمان إلى أن الدولة التركية اليوم تبدو وكأنها تسلم المجال الديني للتيارات الراديكالية نتيجة إضعاف البنية السنية-الحنفية. إن تفتيت الجماعات التقليدية وجعلها تابعة سياسياً لا يعني سيطرة الدولة على الدين، بل يعني انتقال المجتمع نحو تدين أكثر تجزؤاً وحدّة. لذا، فإن العمليات الأمنية الأخيرة، ومنها ما استهدف جماعة سليمان أفندي، يجب أن تُقرأ كجزء من عملية تحول كبرى ستعيد رسم ملامح المجتمع التركي وتدينه في السنوات القادمة.

