تُعدّ “عملية الأخطبوط” التي استهدفت جماعة “السليمانيين” في تركيا، وفقاً لتحليلات المحلل السياسي التركي جوهري جوفين، أبعد من كونها مجرد إجراء قانوني ضد كيان ديني؛ بل هي حلقة في استراتيجية سياسية أوسع يسعى من خلالها الرئيس رجب طيب أردوغان لفرض السيطرة المطلقة على كافة الكيانات المنظمة في البلاد.
في تحليل قدمه أمس عبر موقع يوتيوب، يرى جوفين أن هذه العملية تحمل في طياتها “شفرة” أطلقها أردوغان منذ عام، حين استخدم مصطلح “الأخطبوط” لوصف شبكة تشمل جماعات دينية، وسائل إعلام، ورجال أعمال، بهدف ربطهم بخصومه السياسيين، وتحديداً رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو ورئيس بلدية أنقرة منصور يافاش، للإيهام بأن هناك صلة بين جماعة السليمانيين وأكرم إمام أوغلو، أكبر خصوم أردوغان.
فلسفة السلطة: الترويض أو التعيين أو التفكيك
يشرح المحلل جوهري جوفين المنهجية التي يتبعها النظام التركي في التعامل مع المجموعات التي لا تبدي “بيعة” كاملة، حيث تمر هذه العملية بثلاث مراحل متتالية. تبدأ المرحلة الأولى بمحاولة دفع الجماعة لتقديم الولاء المطلق (البيعة) للسلطة كمرجعية وحيدة، وإذا فشل ذلك، يتم الانتقال للمرحلة الثانية وهي تعيين “وصي“ من داخل الجماعة يكون موالياً للنظام لإزاحة القيادة الحالية، وهو ما تم تطبيقه سابقاً مع أحزاب المعارضة مثل حزب الشعب الجمهوري وحزب الحركة القومية. وفي حال استعصاء الجماعة على الترويض أو الاختراق، تأتي المرحلة الثالثة المتمثلة في التدخل الأمني المباشر والاعتقالات بتهم تتعلق بالإرهاب أو الجرائم المنظمة، وهو ما يشهده السليمانيون اليوم.
صراع الوراثة و”الوصي” المنتظر
يكشف جوفين عن وجود شخصية محورية في هذا المخطط، وهو فاتح سليمان دينيز أوغلو، النائب السابق عن حزب العدالة والتنمية وحفيد مؤسس الجماعة سليمان حلمي طوناخان. ويؤكد جوفين أن أردوغان أعدّ دينيز أوغلو ليكون القائد الجديد للجماعة بدلاً من القائد الحالي علي خان كوريش. ويستعرض المحلل جذور الخلاف العائلي الذي تحول إلى أداة سياسية، حيث يتهم جناح دينيز أوغلو القائد الحالي كوريش بالتورط في وفاة القائد السابق عارف أحمد دينيز أوغلو عام 2016 عبر “التسميم”، وهي اتهامات لم تُطرح قانونياً إلا في عام 2024 لتوفير غطاء قضائي للعملية الأمنية. ويشير جوفين إلى أن خطاب دينيز أوغلو وصل إلى حد “تكفير” من يتبعون كوريش، مما يعكس حدة الاستقطاب التي يسعى النظام لاستغلالها.
التسييس الأمني وربط الجماعة بالمعارضة
وفقاً لجوفين، فإن الإعلام الموالي للسلطة، وبالتنسيق مع مجموعة “أيدينليك” التابعة لدوغو برينجك، الزعيم السياسي العلماني القومي المتشدد، الذي تحالف مع أردوغان في العقد الأخير، بدأ منذ انتخابات 2024 حملة لشيطنة الجماعة عبر ربطها بـ”تحالفات مظلمة” مع أحزاب المعارضة. وتتضمن هذه الاتهامات تقديم بلديات المعارضة، خصوصا بلدية إسطنبول، وظائف لآلاف من أعضاء الجماعة مقابل دعم انتخابي، وهو ما يراه جوفين تمهيداً لضرب أكرم إمام أوغلو سياسياً عبر اتهامه بتمويل “منظمة إجرامية” من أموال البلديات. ويؤكد جوفين أن السلطة لا تهدف لتدمير الجماعة ككل، بل تريد “تأميمها” وجعل قاعدتها الاجتماعية تخدم مشروع حزب العدالة والتنمية.
الهروب نحو أوروبا وقلق “العصفور الذي يطير من العش“
من العوامل الحاسمة في توقيت العملية، بحسب تحليل جوفين، هو توجه الجماعة لبناء مركز إسلامي ضخم في مدينة كولونيا الألمانية بتكلفة تصل إلى 70 مليون دولار، بهدف نقل مركز ثقلها الإداري والتعليمي إلى خارج تركيا. وقد عبّر وزير الداخلية التركي صراحة عن قلقه من أن هذا المركز سيخرج الجماعة عن نطاق السيطرة التركية، وهو ما لخصه جوفين بجملة: “يريدون الانقضاض على الجماعة قبل أن يطير العصفور من العش”. الجماعة تسعى من خلال هذه الخطوة لتدريب أئمتها في ألمانيا بعيداً عن أيديولوجية النظام التي تسيطر على المساجد التابعة لـ “ديانت” (مؤسسة الشؤون الدينية التركية) في الخارج.
تناقضات أيديولوجية وإرث عائلي
يسلط جوفين الضوء على مفارقة تاريخية مثيرة، وهي أن تنزيلة أردوغان، والدة الرئيس، كانت مرتبطة روحياً بهذه الجماعة وتلقّت تعليمها الديني فيها، بل وطلبت دفنها بجوار مؤسسها. ورغم ذلك، لم يمنع هذا الارتباط العاطفي أردوغان من التصادم مع الجماعة حين رفضت قيادتها التخلي عن استقلاليتها السياسية. كما يبرز التناقض في قيام وزير الداخلية “الحافظ للقرآن” بإصدار أوامر مداهمة مراكز تعليم القرآن التابعة للجماعة في ساعات الفجر الأولى.
يختتم جوهري جوفين رؤيته بالتأكيد على أن التهم الموجهة للجماعة، مثل غسيل الأموال أو جمع التبرعات غير القانونية، ليست سوى ذرائع قانونية، فالسوق التركي مليء بمثل هذه الممارسات التي يتم التغاضي عنها للموالين. القضية في جوهرها هي قضية سيادة سياسية؛ حيث يتبنى النظام رؤية “مركز الفكر سيتـا” (SETA) الصادرة في 2010، والتي تنص على ضرورة إذابة كافة الجماعات الدينية الصغيرة والمستقلة داخل بوتقة حزب العدالة والتنمية لتشكيل كتلة دينية موحدة تحت قيادة “الزعيم”. ومن هنا، تصبح عملية السليمانيين نموذجاً لما قد يواجهه أي كيان مدني أو ديني يحاول الحفاظ على مسافة من السلطة في “دولة الحزب الواحد”.
تنبؤ سابق
يذكر أن الكاتب والضابط السابق في أكاديمية الشرطة أمره أوسلو كشف في مايو 2025 أن أردوغان يخطط لإعلان جماعة السليمانيين تنظيمًا إرهابيًا، تمهيدًا لضرب شخصية بارزة في المعارضة: أكرم إمام أوغلو، رئيس بلدية إسطنبول، الذي سبق أن صدر بحقه قرار بالحبس في قضية وصفها مراقبون بأنها سياسية بامتياز، وذلك انطلاقا من أن بعض أفراد عائلة إمام أوغلو مرتبطون بالجماعة، ما قد يُستغل كذريعة لتوريطه ضمن تحقيقات أو قضايا أمنية، وبالتالي “تصفية” أحد أبرز المنافسين المحتملين لأردوغان في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
حليف أردوغان الجديد: سنستأصل جذور جميع الجماعات
ولفت الكاتب الصحفي هارون أوداباشي إلى أن السليمانيين كانوا بين أهداف مجموعة دوغو برينجك منذ سنوات، وذكر مقولته الشهيرة عقب خروجه من السجن عام 2014 في قضية “أرجنكون” (الدولة العميقة) قال فيه: “سنستأصل جذور جميع الجماعات والطرق الصوفية والديناميكيات المجتمعية التابعة لها ونعيد إحياء الجمهورية”.
ومن المثير للدهشة أن الحملة الأخيرة ضد جماعة السليمانيين جاءت بعدما زعم برينجك قبل أيام أن عهد أردوغان اقترب من النهاية، مما استدل الكاتب أوداباشي أن أردوغان من خلال حملته الأخيرة قال له إن مهمته المنتظرة منه لم ينتهِ بعدُ، وإنه يواصل تقديم الخدمات المطلوبة منه، في رسالة موجهة إلى رجال الدولة العميقة، في مسعى إلى تمديد عمر نظامه.

