اتهم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بمحاولة استغلال حالة الفوضى والصراعات المتزايدة في الشرق الأوسط لدفع القضية الفلسطينية إلى هامش الاهتمام الدولي.
وجاءت تصريحات أردوغان خلال مؤتمر صحفي مشترك مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس في أنقرة، مؤكداً أن تركيا ستواصل دعم إقامة دولة فلسطينية، ومشدداً على أن محاولات تهميش القضية لن تنجح، وأنها ستظل حاضرة في الوعي العالمي رغم ما وصفه بالجهود الرامية إلى إضعافها.
ويرتبط هذا الموقف بالنهج التركي الثابت تجاه الحرب في غزة، إذ سبق لأردوغان أن اتهم الحكومة الإسرائيلية بارتكاب «إبادة جماعية» في القطاع وباتباع سياسات توسعية في الضفة الغربية ولبنان وسوريا. وفي المقابل، ترفض إسرائيل هذه الاتهامات وتنفي ارتكاب إبادة جماعية في غزة.
عباس في أنقرة.. بحث غزة ومستقبل القضية الفلسطينية
وصل عباس إلى تركيا الثلاثاء في زيارة رسمية استمرت ثلاثة أيام، برفقة مستشاره الدبلوماسي مجدي الخالدي، ورئيس جهاز المخابرات الفلسطينية ماجد فرج، والمسؤول الفلسطيني زياد أبو عمرو.
وفي لقائه مع أردوغان الأربعاء، ناقش الجانبان تطورات الأراضي الفلسطينية، إلى جانب الملفات الإقليمية والعلاقات الثنائية. ووصف عباس المحادثات بأنها «مهمة ومثمرة».
وتكتسب الزيارة أهمية إضافية في ظل استمرار النقاش حول مستقبل غزة، وموقع السلطة الفلسطينية في أي ترتيبات سياسية مقبلة، فضلاً عن مستقبل العلاقة بين الضفة الغربية وقطاع غزة.
الانتخابات الفلسطينية.. محاولة لإعادة ترتيب البيت الداخلي
أبرز الملفات السياسية التي حضرت في لقاء أنقرة إعلان عباس عزمه إجراء انتخابات تشريعية في 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، على أن تجرى الانتخابات الرئاسية في أوائل العام المقبل.
وفي حال إجراء الانتخابات التشريعية في موعدها، ستكون الأولى على المستوى الوطني الفلسطيني منذ نحو عقدين، وهو ما يمنحها أهمية تتجاوز الجانب الانتخابي إلى إعادة بناء الشرعية السياسية الفلسطينية.
ورحب أردوغان بالخطوة، معتبراً أن إجراء الانتخابات بعد فترة طويلة يمكن أن يدفع باتجاه المصالحة الفلسطينية، في إشارة إلى الانقسام المستمر بين حركة فتح التي يقودها عباس وحركة حماس.
وتأتي الدعوة إلى الانتخابات في وقت تواجه فيه القيادة الفلسطينية ضغوطاً متزايدة لإعادة تنظيم مؤسساتها وتعزيز شرعيتها، في ظل الحديث عن ترتيبات المرحلة المقبلة في غزة. وكانت السلطة الفلسطينية قد طرحت خلال الأشهر الماضية مساراً للإصلاح وإعادة تنظيم مؤسساتها.
الدولة الفلسطينية.. جوهر الموقف المشترك
لا يبدو أن أنقرة تريد فصل ملف غزة عن القضية الفلسطينية الأوسع. فالموقف التركي يقوم على أن أي تسوية دائمة يجب أن تفضي إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة، بينما أكد عباس في المؤتمر الصحفي أن إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية يمثلان الطريق إلى سلام عادل ودائم.
وهذا الطرح يعكس استمرار التركيز على حل الدولتين باعتباره الإطار السياسي الذي تستند إليه القيادة الفلسطينية وتركيا في مقاربتهما للصراع.
وتزداد أهمية هذا الموقف في وقت تتداخل فيه حرب غزة مع أزمات إقليمية أخرى، ما يثير مخاوف فلسطينية من أن يؤدي اتساع رقعة الصراعات إلى تراجع الاهتمام الدولي بالملف الفلسطيني.
عباس يشيد باتفاق مكة الدفاعي
وفي جانب إقليمي من المحادثات، رحب عباس باتفاقية الدفاع المشترك التي وقعتها تركيا والسعودية وباكستان في مكة في السابع من أغسطس/آب، ووصفها بأنها ذات أهمية كبيرة، معرباً عن أمله في أن تسهم في تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة.
ويأتي ذلك بعد انتقال الاتفاقية الثلاثية إلى مرحلة أكثر وضوحاً، إذ تتضمن تعزيز التنسيق السياسي والعسكري، والتعاون في مجالات التدريب والصناعات الدفاعية والتكنولوجيا، مع التأكيد من الدول الموقعة على أن الاتفاق دفاعي وليس موجهاً ضد دولة بعينها.
ومن منظور أنقرة، يندرج هذا التوجه ضمن مساعٍ أوسع لتعزيز قدرة دول المنطقة على بناء ترتيبات أمنية إقليمية بدلاً من الاعتماد الكامل على القوى الخارجية.
بين غزة وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني
تحمل زيارة عباس إلى أنقرة دلالات تتجاوز الدعم التركي التقليدي للقضية الفلسطينية. فالمشهد الحالي يفرض على القيادة الفلسطينية التعامل مع ملفين متلازمين: مواجهة الضغوط السياسية المتعلقة بمستقبل الأراضي الفلسطينية، وإعادة ترتيب البيت الفلسطيني من الداخل.
ولهذا فإن الانتخابات المعلنة والمصالحة الفلسطينية تكتسبان أهمية خاصة؛ إذ إن أي دور مستقبلي للسلطة الفلسطينية في إدارة غزة أو في العملية السياسية سيحتاج إلى قاعدة شرعية ومؤسسات قادرة على تمثيل الفلسطينيين.
في المقابل، فإن استمرار الانقسام بين فتح وحماس يظل أحد أبرز العقبات أمام بناء موقف فلسطيني موحد بشأن مرحلة ما بعد الحرب.

