دخلت المواجهة بين السلطات التركية ومنصة “إكس” مرحلة جديدة، بعدما أعلنت الشركة أنها امتثلت لقرار قضائي يقضي بحجب أحد الحسابات الرسمية المستخدمة لنشر رسائل رئيس بلدية إسطنبول المعتقل أكرم إمام أوغلو داخل تركيا، لكنها أكدت في الوقت ذاته أنها باشرت إجراءات قانونية للطعن في القرار أمام القضاء التركي.
وأوضحت المنصة أن التزامها بتنفيذ القرار جاء استجابة لمتطلبات القانون التركي، مع تشديدها على أن استمرارها في الاعتراض القضائي يعكس موقفها الرافض لقرارات ترى أنها تمس حرية التعبير والوصول إلى المعلومات.
المحكمة استندت إلى قانون تنظيم الإنترنت
صدر القرار عن محكمة الصلح الجزائية الثامنة في إسطنبول في التاسع والعشرين من يوليو/تموز، بناءً على طلب تقدمت به النيابة العامة في إسطنبول في اليوم نفسه.
وأمرت المحكمة بحذف المحتوى المنشور عبر الحساب الذي يحمل اسم @CAOIletisim11 أو جعله غير متاح للمستخدمين داخل تركيا، مستندة إلى المادة الثامنة (أ) من القانون رقم 5651 المنظم للنشر عبر الإنترنت، والتي تتيح للسلطات حجب المحتوى الإلكتروني إذا رأت أنه يمس الأمن القومي أو النظام العام أو يهدد بمنع وقوع الجرائم.
ولم تحدد المحكمة أي منشور بعينه اعتبرته مخالفاً، واكتفت بالإشارة إلى أن المحتوى المنشور عبر الحساب قد يؤدي إلى الإخلال بالنظام العام وخلق بيئة قد تشجع على ارتكاب جرائم.
كما ألزمت المحكمة منصة “إكس” بتنفيذ القرار فوراً، وبحد أقصى خلال أربع ساعات من تبليغها به، مع منح أصحاب الشأن مهلة أسبوعين للطعن أمام محكمة الصلح الجزائية التاسعة في إسطنبول.
“إكس”: امتثلنا للقانون لكننا نرفض القرار
أكدت إدارة الشؤون الحكومية العالمية في منصة “إكس” أن القوانين التركية تفرض على الشركة تنفيذ مثل هذه الأوامر القضائية، إلا أنها شددت على أنها لا تتفق مع القرار، ولذلك قررت الطعن فيه أمام القضاء.
وأضافت الشركة أنها نشرت نص القرار القضائي كاملاً في إطار ما وصفته بسياسة الشفافية الكاملة، مؤكدة أن الهدف هو إطلاع الرأي العام على الأساس القانوني الذي استندت إليه السلطات التركية.
وحذرت المنصة من أن رفض تنفيذ أوامر الحجب قد يعرض خدماتها داخل تركيا لعقوبات واسعة، تشمل تقليص سرعة الوصول إلى المنصة أو تقييد خدماتها بالكامل، وهو ما دفعها إلى تنفيذ القرار مع مواصلة الاعتراض عليه قضائياً.
وأكدت الشركة أن مثل هذه القرارات تؤدي إلى حجب محتوى داخل تركيا بينما يبقى متاحاً للمستخدمين في بقية أنحاء العالم، معتبرة أن الحفاظ على إمكانية الوصول إلى المنصة يمثل عنصراً أساسياً لدعم حرية التعبير وتداول المعلومات.
كما تعهدت بمواصلة الطعن في أوامر إزالة المحتوى سواء في تركيا أو في دول أخرى، كلما رأت أنها تتعارض مع مبادئ حرية التعبير أو ضمانات المحاكمة العادلة أو حتى مع القوانين المحلية ذاتها.
الحساب المحجوب ليس الأول
الحساب المستهدف، الذي كانت تديره “مكتب ترشيح أكرم إمام أوغلو للرئاسة”، كان يضم نحو 226 ألف متابع قبل أن يصبح غير متاح داخل تركيا في الثالث من أغسطس/آب، بينما بقي متاحاً للمستخدمين خارج البلاد.
وبحسب مشروع “إنغيلي ويب” التابع لجمعية حرية التعبير التركية، فإن الحساب تعرض للحجب بعد تغيير اسمه إلى @CAOIletisim11.
وعقب تنفيذ القرار، أعلنت الحملة الرئاسية لإمام أوغلو إطلاق حساب جديد يحمل اسم @CA_iletisim ليكون المنصة الثانية عشرة التي تُستخدم لنشر رسائل رئيس بلدية إسطنبول منذ بدء حملة حجب الحسابات المرتبطة به.
ولا تعد هذه السابقة الأولى، إذ سبق أن حُجبت نسخ سابقة من الحساب الرسمي للحملة استناداً إلى المبررات نفسها المتعلقة بالأمن القومي والنظام العام.
وكان أول حساب تابع لمكتب الترشح للرئاسة قد تعرض للحجب في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، ما دفع فريق إمام أوغلو إلى إنشاء حسابات بديلة تباعاً.
نزاع قانوني مستمر بين “إكس” والسلطات التركية
أوضحت منصة “إكس” أن القضية الحالية ليست الأولى من نوعها، فقد تلقت في مايو/أيار 2025 قراراً مشابهاً يتعلق بأحد حسابات إمام أوغلو.
وفي ذلك الوقت، امتثلت الشركة أيضاً للقرار مع إعلان اعتراضها عليه، قبل أن تتقدم بطعن أمام المحكمة الدستورية التركية.
وأكدت أن القضية لا تزال منظورة أمام المحكمة بعد استكمال الإجراءات القانونية الأخيرة.
الحساب الشخصي لإمام أوغلو سبق أن حُجب
امتدت إجراءات الحجب في مايو/أيار 2025 إلى الحساب الشخصي الناطق باللغة التركية لأكرم إمام أوغلو، الذي كان يتابعه نحو 9.7 ملايين مستخدم.
وبررت المحكمة آنذاك قرارها بأن إحدى الرسائل المنشورة من داخل السجن تشكل، بحسب تقديرها، تهديداً للأمن القومي والنظام العام.
وأثار القرار موجة انتقادات من منظمات المجتمع المدني، التي رأت أن امتثال “إكس” يعكس الضغوط القانونية التي تواجهها شركات التواصل الاجتماعي في تركيا، حيث ينص قانون الإنترنت على فرض غرامات مالية، ومنع الإعلانات، وتقليص عرض النطاق الترددي بحق المنصات التي ترفض تنفيذ أوامر الحجب.
منظمات حقوقية: الفضاء الرقمي أصبح آخر متنفس
في أعقاب تلك القرارات، وجهت منظمة “هيومن رايتس ووتش” وعدد من المنظمات الحقوقية الدولية رسالة مشتركة إلى شركات التواصل الاجتماعي، اعتبرت فيها أن المنصات الرقمية أصبحت من بين المساحات القليلة المتبقية التي يستطيع المواطنون في تركيا من خلالها الوصول إلى الأخبار المستقلة والتعبير عن آرائهم السياسية بحرية نسبية.
وترى هذه المنظمات أن تقييد الحسابات السياسية يثير مخاوف متزايدة بشأن مستقبل حرية التعبير والوصول إلى المعلومات في البلاد.
قضية إمام أوغلو… من الاعتقال إلى المحاكمة
تأتي هذه التطورات في ظل استمرار محاكمة أكرم إمام أوغلو، الذي اعتُقل في التاسع عشر من مارس/آذار 2025 قبل أن يُودع السجن بعد أيام على ذمة تحقيقات تتعلق بقضايا فساد.
وأدى توقيفه إلى اندلاع أكبر موجة احتجاجات تشهدها تركيا منذ احتجاجات حديقة غيزي عام 2013.
ورغم وجوده في السجن، اختاره حزب الشعب الجمهوري مرشحاً رسمياً للانتخابات الرئاسية، بينما لا يزال يُنظر إليه باعتباره المنافس الانتخابي الأبرز للرئيس رجب طيب أردوغان.
وفي مارس/آذار 2026 بدأت محاكمته إلى جانب أكثر من أربعمائة متهم آخرين في القضية المتعلقة ببلدية إسطنبول.
وتتجاوز لائحة الاتهام أربعة آلاف صفحة، وتتضمن توجيه 142 تهمة إليه، من بينها قيادة منظمة إجرامية، والرشوة، والابتزاز، والتلاعب بالمناقصات، وغسل الأموال، فيما يطالب الادعاء العام بعقوبة تراكمية قد تصل إلى 2430 عاماً من السجن.
ويرفض إمام أوغلو جميع الاتهامات، ويؤكد أن القضية ذات دوافع سياسية وتهدف إلى إبعاده عن المنافسة في الانتخابات الرئاسية المقررة عام 2028.
جدل متواصل حول استقلال القضاء
أثارت محاكمة إمام أوغلو اهتماماً واسعاً لدى المنظمات الحقوقية الدولية، إذ وصفت كل من “هيومن رايتس ووتش” و”منظمة العفو الدولية” القضية بأنها تحمل أبعاداً سياسية، وأعربتا عن قلقهما بشأن ضمانات المحاكمة العادلة.
في المقابل، ترفض الحكومة التركية هذه الانتقادات، وتؤكد أن القضاء يعمل بصورة مستقلة، وأن جميع الإجراءات تستند إلى القانون دون أي تدخل سياسي.
حرية الإنترنت تحت المجهر
تتزامن هذه التطورات مع استمرار الجدل بشأن واقع الحريات الرقمية في تركيا.
فبحسب تقرير “الحرية على الإنترنت” الصادر عن منظمة “فريدوم هاوس” لعام 2025، صُنفت تركيا ضمن الدول “غير الحرة” في مجال الإنترنت، بعدما حصلت على 31 نقطة فقط من أصل 100.
وأشار التقرير إلى أن السلطات التركية تعتمد بصورة متزايدة على حجب المواقع الإلكترونية، وتقييد منصات التواصل الاجتماعي، والملاحقات الجنائية المرتبطة بالمحتوى الرقمي، بوصفها أدوات للحد من حرية التعبير عبر الإنترنت.
معركة قانونية تتجاوز حساباً إلكترونياً
لا تقتصر القضية الحالية على إغلاق حساب في منصة للتواصل الاجتماعي، بل تعكس تصاعد الصراع بين متطلبات السيادة القانونية التي تؤكدها السلطات التركية، وبين مطالب المنصات الرقمية والمنظمات الحقوقية بالحفاظ على حرية التعبير والوصول إلى المعلومات.
ومع استمرار الطعون القضائية التي رفعتها “إكس”، وبقاء ملفات إمام أوغلو مفتوحة أمام القضاء، تبدو المواجهة مرشحة للاستمرار، في ظل تداخل الأبعاد القانونية والسياسية والتكنولوجية، وفي وقت تزداد فيه أهمية الفضاء الرقمي بوصفه ساحة رئيسية للنقاش العام والتنافس السياسي في تركيا.

