سجلت القوات الجوية التركية سابقة تاريخية بإعلان ترقية الطيارة المقاتلة أوزلم إييديللي كارابينار إلى رتبة عميد، لتصبح أول امرأة تصل إلى رتبة جنرال في تاريخ هذا الصنف من القوات المسلحة التركية، في خطوة تعكس اتساع حضور المرأة في المواقع القيادية العسكرية بعد عقود من مشاركتها في المهام الجوية والعمليات القتالية.
وجاءت الترقية ضمن القرارات الصادرة عن اجتماع المجلس العسكري الأعلى، الذي انعقد الثلاثاء في المجمع الرئاسي بالعاصمة أنقرة برئاسة الرئيس رجب طيب أردوغان، حيث ناقش المجلس ملفات الترقيات والتعيينات وتمديد الخدمة والإحالات إلى التقاعد داخل القوات المسلحة التركية.
ومن المقرر أن تدخل جميع هذه القرارات حيز التنفيذ في الثلاثين من أغسطس/آب، بالتزامن مع احتفالات تركيا بـ”عيد النصر”، الذي يعد أحد أهم المناسبات العسكرية والوطنية في البلاد.
مسيرة مهنية بدأت من الطب وانتهت بقيادة المقاتلات
بحسب ما أوردته وسائل إعلام تركية، وُلدت أوزلم إييديللي كارابينار عام 1977، وكان مسارها الأكاديمي يتجه في البداية نحو دراسة الطب، إذ التحقت بكلية الطب في جامعة إيجة عقب إنهاء المرحلة الثانوية.
غير أن حياتها المهنية أخذت منحى مختلفاً بعدما تلقت دعوة من أكاديمية القوات الجوية التركية، التي كانت تستقطب الطلاب المتفوقين في الرياضيات والعلوم، لتقرر التخلي عن دراسة الطب والانضمام إلى المؤسسة العسكرية.
وخضعت كارابينار لبرنامج التدريب الأولي على الطيران في ولاية يالوفا شمال غربي تركيا، قبل التحاقها بالأكاديمية الجوية، لتبدأ بعد ذلك مسيرة طويلة كطيارة مقاتلة، تولت خلالها تنفيذ مهام عملياتية متنوعة داخل القوات الجوية التركية، حتى وصولها إلى رتبة عميد.
أول جنرال في القوات الجوية… وليس أول جنرال امرأة في تركيا
ورغم أن كارابينار أصبحت أول امرأة تصل إلى رتبة جنرال داخل القوات الجوية التركية، فإنها ليست أول امرأة تنال هذه الرتبة على مستوى القوات المسلحة التركية.
ففي عام 2022، أصبحت أوزلم يلماز أول امرأة في تاريخ تركيا تحمل رتبة عميد، بعدما رُقيت داخل قيادة الدرك التابعة لوزارة الداخلية.
كما شهد عام 2023 محطة تاريخية أخرى، عندما أصبحت الضابطة البحرية غوكتشن فرات أول امرأة في تاريخ القوات البحرية التركية تصل إلى رتبة أميرال بحري.
وبذلك تكتمل سلسلة من السوابق التاريخية التي شهدتها المؤسسة العسكرية التركية خلال السنوات الأخيرة، مع وصول النساء إلى أعلى الرتب في مختلف الأفرع العسكرية تباعاً.
اختراق لحاجز القيادة العليا في سلاح الجو
رغم أن النساء يعملن منذ عقود كطيارات وضابطات داخل القوات الجوية التركية، فإن حضورهن ظل محدوداً في المناصب القيادية العليا.
ويُنظر إلى ترقية كارابينار باعتبارها تحولاً مهماً في هيكل القيادة داخل القوات الجوية، إذ تمثل المرة الأولى التي تصل فيها امرأة إلى مصاف الجنرالات، وهو ما يفتح الباب أمام مشاركة أوسع للكوادر النسائية في مراكز صنع القرار العسكري مستقبلاً.
ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تعكس أيضاً التغير التدريجي في آليات الترقي داخل المؤسسة العسكرية، مع ازدياد الاعتماد على الخبرة والكفاءة المهنية في شغل المناصب القيادية.
إرث تاريخي يمتد إلى صبيحة غوكتشن
ترتبط مشاركة المرأة التركية في الطيران العسكري بإرث تاريخي يعود إلى ثلاثينيات القرن الماضي، عندما أصبحت صبيحة غوكتشن، الابنة بالتبني لمؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك، واحدة من أوائل النساء في العالم اللواتي عملن كطيارات مقاتلات.
ولا تزال غوكتشن تُعد رمزاً بارزاً في تاريخ الطيران العسكري، وتشكل تجربتها مرجعاً تاريخياً لحضور المرأة داخل القوات الجوية التركية.
رائد الفضاء التركي الأول ينضم إلى قائمة الجنرالات
ولم تقتصر قرارات المجلس العسكري الأعلى على ترقية كارابينار، إذ شملت أيضاً ترقية العقيد في القوات الجوية ألبر غيزرافجي إلى رتبة عميد.
ويحظى غيزرافجي بمكانة خاصة في تركيا، بعدما أصبح أول رائد فضاء تركي يصل إلى محطة الفضاء الدولية، خلال مشاركته في مهمة “أكسيوم-3” الخاصة في يناير/كانون الثاني 2024، وهي المهمة التي مثلت انطلاقة البرنامج الفضائي التركي نحو المشاركة في الرحلات المأهولة.
تغييرات واسعة في قيادة القوات المسلحة
شهد الاجتماع السنوي للمجلس العسكري الأعلى سلسلة واسعة من التغييرات في المناصب القيادية داخل الجيش التركي.
فقد تقرر تعيين الجنرال رفعت دالكيران، الذي كان يشغل منصب قائد القوات الجوية القتالية، قائداً للقوات الجوية، خلفاً للجنرال ضياء جمال قاضي أوغلو، الذي أُحيل إلى التقاعد بعد عدم توافر منصب يناسب رتبته العسكرية.
كما قرر المجلس تمديد خدمة قائد القوات البحرية الأميرال أرجومنت تاتلي أوغلو لمدة عام إضافي.
وفي إطار القرارات ذاتها، جرى تمديد خدمة أربعة وعشرين جنرالاً لمدة عام واحد، إلى جانب تمديد خدمة خمسمائة وثلاثين عقيداً لمدة عامين.
وفي المقابل، سيغادر الخدمة جنرالان بعد بلوغهما السن القانونية للتقاعد، فيما سيحال واحد وستون جنرالاً وأميرالاً آخرين إلى التقاعد نتيجة عدم توافر مناصب تتناسب مع رتبهم العسكرية.
حركة ترقيات واسعة تعيد تشكيل القيادة العسكرية
أسفرت قرارات المجلس أيضاً عن ترقية تسعة وستين عقيداً إلى رتب الجنرالات أو الأدميرالات، إضافة إلى ترقية خمسة وعشرين جنرالاً وأميرالاً إلى رتب عسكرية أعلى.
وبموجب هذه القرارات، سيرتفع إجمالي عدد الجنرالات والأدميرالات في القوات المسلحة التركية من 328 إلى 334 ضابطاً اعتباراً من دخول القرارات حيز التنفيذ.
المجلس العسكري الأعلى… المؤسسة التي ترسم خريطة القيادة
يُعد المجلس العسكري الأعلى أعلى هيئة معنية بإدارة شؤون القيادات العسكرية في تركيا، ويعقد اجتماعه مرة واحدة كل عام للنظر في ملفات الترقيات والتعيينات وتمديد الخدمة والإحالات إلى التقاعد في القوات البرية والبحرية والجوية.
ولا تصبح قرارات المجلس نافذة إلا بعد اعتمادها رسمياً من رئيس الجمهورية، وهو ما يمنح هذه الاجتماعات أهمية استثنائية في رسم ملامح القيادة العسكرية التركية للسنوات اللاحقة.
دلالات المرحلة
تعكس قرارات المجلس العسكري لهذا العام استمرار سياسة إعادة هيكلة القيادات داخل القوات المسلحة التركية، بالتوازي مع منح الكفاءات العسكرية أدواراً قيادية أكبر، سواء من خلال صعود أول امرأة إلى رتبة جنرال في القوات الجوية، أو ترقية أول رائد فضاء تركي إلى صفوف القيادات العليا.
ويرى متابعون أن هذه التطورات تحمل بعداً رمزياً ومؤسسياً في آن واحد؛ فمن جهة تؤكد اتساع فرص المرأة داخل المؤسسة العسكرية، ومن جهة أخرى تعكس سعي أنقرة إلى إبراز الكفاءات ذات الحضور الوطني والدولي ضمن هيكلها القيادي، في إطار مسار تحديث القوات المسلحة وإعادة تشكيل نخبتها العسكرية.

