في قراءة تحليلية للمشهد الأمني والسياسي التركي، يستعرض الأمني السابق والمحلل السياسي مصطفى أوكومش ما يصفه بأخطر وأذكى خطوة اتخذها الرئيس رجب طيب أردوغان خلال العقد الأخير لإحكام قبضته على مفاصل الدولة. يرى أوكومش أن هذه الخطوة ليست مجرد إجراء إداري عابر، بل هي عملية جراحية سيبرانية استهدفت استئصال مراكز القوى التقليدية داخل أجهزة الأمن والقضاء، وتحويل نفوذ شخصيات وقوى وازنة إلى “رماد تاريخي”.
الهندسة الجديدة للسيادة الرقمية: الانتقال من المؤسساتية إلى “القصر“
يشير مصطفى أوكومش إلى أن التحول الجوهري بدأ مع صدور تشريعات برلمانية، وقعها الرئيس لاحقاً، تقضي بنقل كافة صلاحيات ومهام “هيئة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات” (BTK) إلى كيان استحدث مؤخراً تحت مسمى “رئاسة الأمن السيبراني. هذا الكيان الجديد، الذي لم يكن سوى “مؤسسة صورية” عند تأسيسه في عام 2025، يتميز بتبعيته المباشرة والمطلقة لرئاسة الجمهورية.
وفقاً لرؤية أوكومش، فإن هذا الإجراء يتجاوز التفسيرات السطحية للمعارضة التي حصرت الأمر في تشديد الرقابة؛ فالدولة تمتلك بالفعل أدوات قمعية ورقابية كافية. إنما يكمن الجوهر في “تغيير السائق” مع الاحتفاظ بذات الحافلة؛ حيث تم استبدال هيئة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات العريقة، التي تمتلك خبرة وكوادر تمتد لعشرين عاماً، برئاسة جديدة تفتقر للكوادر الجاهزة ولكنها تضمن “الولاء المطلق”.
احتكار خزان البيانات وآلية “الإنذار المبكر“
يوضح أوكومش الأهمية الاستراتيجية لهيئة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بوصفها “المستودع الرقمي” لكل مواطن تركي؛ فهي تضم سجلات المرور وبيانات (HTS) التي ترصد بدقة متناهية تحركات الأفراد، واتصالاتهم، وتوقيتاتها، والمواقع الجغرافية التي تواجدوا فيها أثناء المكالمات.
ويكشف المحلل الأمني عن ثغرة كانت تزعج السلطة وتستغلها مراكز القوى: في السابق، كان المدعي العام أو أجهزة الأمن يحصلون على بيانات المشتبه بهم عبر هيئة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات التي تتواصل بدورها مع شركات الاتصالات. أما اليوم، فإن أي طلب قضائي أو أمني يتعلق ببيانات شخصية تابعة لدوائر الحزب الحاكم أو عائلة الرئيس أو المقربين منه، سيصل أولاً وبشكل فوري إلى “رئاسة الأمن السيبراني” التابعة لأردوغان. هذا النظام يخلق “آلية إنذار مبكر” تتيح للقصر معرفة التحقيقات قبل أن تبدأ، مما يجهض أي محاولة لفتح ملفات فساد أو تجاوزات ضد الدوائر الضيقة للسلطة.
تصفية “مراكز القوى”: نهاية نفوذ برينجك، وباهتشلي، وفيدان
يعتقد مصطفى أوكومش أن المتضرر الأكبر من هذا التحول هم أقطاب “الدولة العميقة” والتحالفات القائمة؛ حيث تم تهميش نفوذ دوغو برينجك وجماعته داخل القضاء والأمن، وتحجيم حضور “القوميين” (الذئاب الرمادية) الموالين لدولت باهتشلي، بل وحتى إضعاف مراكز التأثير الخاصة بوزير الخارجية الحالي هاكان فيدان.
بموجب هذا الترتيب الجديد، لم يعد بإمكان أي من هذه الأطراف استخدام نفوذها في الأجهزة الأمنية أو القضاء لإعداد ملفات “مفاجئة” ضد خصومها أو حتى ضد المقربين من أردوغان. يرى أوكومش أن أردوغان، بتوقيع واحد، ألقى بكل هذه القوى في “سلة المهملات” السياسية، جاعلاً تحركاتهم مكشوفة تماماً أمام راداره الشخصي.
تسييس الكوادر وتجاوز المعايير المؤسسية
فيما يخص الجانب البشري، يلفت أوكومش الانتباه إلى “الخبث التنظيمي” في التشريع الجديد؛ فبينما كانت هيئة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات تضم طيفاً واسعاً من الموظفين من مختلف المشارب والتوجهات على مدار عقدين، فإن “رئاسة الأمن السيبراني” الجديدة تمنح الحق في اختيار من تشاء من الموظفين الراغبين في الانتقال إليها، شريطة موافقة الرئاسة.
والأخطر من ذلك، كما يرى أوكومش، هو منح الرئاسة صلاحية تعيين “خبراء متعاقدين” دون التقيد بمعايير الامتحانات الوطنية (KPSS) أو شروط التوظيف الصارمة، مما يفتح الباب على مصراعيه لبناء جيش من الموظفين الذين يدينون بالولاء الشخصي والسياسي الكامل، بعيداً عن أي رقابة قضائية أو إدارية.
لغز الأصول العقارية: مليارات خارج الحسابات
يختتم أوكومش تحليله بالإشارة إلى جانب مريب يتعلق بـ”عقارات” هيئة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ؛ فبينما تم نقل كافة المهام والديون والبيانات إلى الرئاسة الجديدة، استثنى القانون “الأصول غير المنقولة”. يقع المقر الرئيسي لهيئة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في أنقرة على مساحة شاسعة تبلغ 114 دونماً، وتقدر قيمتها السوقية بما بين 8 إلى 11 مليار ليرة تركية. يتساءل أوكومش عن مصير هذه الأراضي والمباني، محذراً من إمكانية خصخصتها أو منحها لجهات مقربة من السلطة بعيداً عن المصلحة العامة، وهو أمر يستوجب المراقبة اللصيقة في المرحلة القادمة.

