تستعرض التقارير الحقوقية الأخيرة مشهداً قاتماً لحالة حقوق الإنسان في تركيا خلال العقد الذي تلا محاولة انقلاب عام 2016، حيث برزت دعوات دولية ملحة لكسر طوق الإفلات من العقاب عبر تفعيل أدوات القانون الدولي.
وفي هذا السياق، حث تقرير مؤسسة “ساحة العدالة” (Justice Square) الدولية، التي يقع في هولندا، المدعين العامين في مختلف أنحاء العالم على فتح تحقيقات موسعة في اتهامات تتعلق بالتعذيب والاختفاء القسري والجرائم ضد الإنسانية التي وقعت على الأراضي التركية، نظراً لإخفاق السلطات المحلية في تقديم أي شكل من أشكال المساءلة الجادة.
الولاية القضائية العالمية: الملاذ الأخير للعدالة
يشدد التقرير، المكون من مائة وخمس وسبعين صفحة، على ضرورة استخدام قوانين “الولاية القضائية العالمية” كأداة قانونية تسمح للمحاكم الوطنية في دول أخرى بالتحقيق في الجرائم الدولية الجسيمة بغض النظر عن مكان وقوعها.
ويهدف هذا التحرك إلى تحديد هوية المشتبه بهم الواردة أسماؤهم في السجلات القضائية، وفتح الطريق أمام ملاحقتهم جنائياً فور مغادرتهم الأراضي التركية أو سفرهم إلى الخارج.
وتتجاوز هذه المطالب حدود الجرائم المرتكبة داخل تركيا، لتمتد إلى ضرورة قيام الحكومات الأوروبية بالتحقيق في العمليات الاستخباراتية التركية التي نُفذت داخل حدودها، مع رفض التعاون مع “الإنتربول” في القضايا التي تُصنف كـ “ملاحقات تعسفية”.
هندسة القمع: استهداف منهجي وواسع النطاق
تؤكد التحليلات الواردة في المصادر أن ما شهدته تركيا ليس مجرد تجاوزات فردية، بل هو هجوم منهجي ومنظم استهدف المدنيين، وبشكل أساسي الأفراد المرتبطين بحركة “كولن” أو من يُعتقد بارتباطهم بها.
وتتجلى ضخامة هذا القمع في الأرقام الرسمية التي تكشف عن مباشرة إجراءات قضائية ضد أكثر من سبعمائة وعشرين ألف شخص بين عامي 2016 و2026، أدين منهم ما يزيد عن مائة وسبعة وعشرين ألفاً.
كما تم عزل أكثر من مائة وثلاثين ألف موظف حكومي بموجب مراسيم طوارئ، مما يعكس رغبة في إعادة صياغة البنية الإدارية والاجتماعية للدولة عبر ترهيب المعارضين.
الاختطاف العابر للحدود وتكميم الأفواه
من أكثر الجوانب إثارة للقلق في التوثيق الحقوقي هو ما يُعرف بـ “عمليات التسليم القسري” العابرة للحدود، حيث تم توثيق مائة وثلاثة وستين حالة اختطاف أو محاولة اختطاف، شملت مائة وواحدة وعشرين شخصاً جلبوا من ثماني وعشرين دولة دون اتباع الإجراءات القانونية المعتادة أو طلبات التسليم الرسمية.
وقد أقر مسؤولون أتراك سابقون، من بينهم نائب الرئيس السابق فؤاد أقطاي ووزير العدل السابق بكر بوزداغ، بقيام جهاز الاستخبارات بنقل هؤلاء الأشخاص إلى تركيا، وهو ما تصفه الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية بأنه عمليات اختطاف خارج نطاق القضاء.
ولم يقتصر الأمر على الاختطاف، بل امتد ليشمل مراقبة منظمات الشتات وتصنيف الأنشطة الثقافية والاجتماعية في دول مثل هولندا كأدلة على “الإرهاب”.
الصدام مع القضاء الأوروبي وتعطيل أحكام القانون
تشكل القضية المعروفة باسم “يوكسل يالتشين كايا ضد تركيا” منعطفاً قانونياً هاماً، حيث قضت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بأن القضاء التركي انتهك مبدأ “لا عقوبة إلا بنص قانوني” وحق المحاكمة العادلة، من خلال تجريم استخدام تطبيق المراسلة المشفر “باي لوك” (ByLock) كدليل وحيد على الإرهاب.
ورغم أن هذا الحكم ملزم لتركيا كعضو في مجلس أوروبا، إلا أن السلطات التركية، وعلى رأسها الرئيس رجب طيب أردوغان، رفضت هذه الأحكام ووصفتها بأنها اصطفاف مع “التنظيمات الإرهابية”.
هذا الإصرار على تجاهل أحكام القضاء الدولي يعزز، بحسب التقرير، من ضرورة التدخل الخارجي لجمع الأدلة وضمان عدم ضياع حقوق الضحايا، بما في ذلك سبعة أشخاص لا يزالون في عداد المفقودين قسرياً.
توصيات لبناء آلية محاسبة دولية
لم يكتفِ التقرير برصد الانتهاكات، بل وضع خارطة طريق للمجتمع الدولي تشمل مطالبة الأمم المتحدة بحفظ الأدلة والوثائق المتعلقة بالانتهاكات لاستخدامها في إجراءات قضائية مستقبلية، حتى لو تعذر البدء بالملاحقات حالياً.
كما دعا لإنشاء آلية تحقيق مستقلة داخل تركيا بمشاركة دولية للتحقيق في حالات الوفاة قيد الاحتجاز والاختفاء القسري، وفرض عقوبات مستهدفة على المسؤولين الأتراك المتورطين بشكل مباشر في عمليات التعذيب أو الإخفاء القسري، وتفعيل ملاحقة الأفراد المشتبه بهم عند سفرهم إلى دول تتبنى قوانين الولاية القضائية العالمية.
تظل هذه الدعوات الحقوقية اختباراً حقيقياً لمدى التزام المجتمع الدولي بمبادئ حقوق الإنسان في مواجهة المصالح السياسية، في ظل استمرار أنقرة في سياسة التصعيد ضد منتقديه في الداخل والخارج.

