تشهد الساحة السياسية التركية تحولاً جذرياً يضع حداً لأزمة القيادة التي عصفت بحزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، حيث أعلن الزعيم المقال أوزغور أوزيل رسمياً عن توجهه رفقة حلفائه لتأسيس حزب سياسي جديد. وجاء هذا الإعلان في أعقاب قرار قضائي أطاح به من سدة رئاسة الحزب وأعاد سلفه كمال كليجدار أوغلو إلى المشهد القيادي، مما دفع أوزيل إلى اتخاذ الخطوة الأكثر حسماً في مساره السياسي.
جذور الصراع والانسداد القانوني
تعود بذور هذه الخطوة إلى الحادي والعشرين من مايو 2026، حين أصدرت محكمة في أنقرة حكماً يقضي بإبطال نتائج مؤتمر الحزب المنعقد في نوفمبر 2023، والذي شهد فوز أوزيل على كليجدار أوغلو. اعتبرت المحكمة أن المؤتمر وما تمخض عنه من نتائج باطلة قانوناً منذ البداية بسبب “مخالفات” شابت العملية الانتخابية، مما أدى إلى عزل أوزيل والمجلس التنفيذي للحزب وإعادة كليجدار أوغلو بصفة مؤقتة. ورغم المحاولات المستميتة التي بذلها معسكر أوزيل لاستعادة السيطرة، بما في ذلك تقديم توقيعات موثقة من 833 مندوباً لعقد مؤتمر استثنائي، إلا أن الإدارة المؤقتة لم تستجب لهذه المطالب. ومع تضاؤل الخيارات القانونية والسياسية، أضحى تأسيس حزب جديد هو الملاذ الأخير لتيار أوزيل.
زلزال برلماني مرتقب وإعادة ترتيب موازين القوى
يحمل الكيان السياسي الجديد في طياته إمكانية تغيير ثقل المعارضة داخل البرلمان التركي بشكل فوري؛ ففي اجتماع وصفه أوزيل بأنه “اللقاء الأخير” مع كتلة حزب الشعب الجمهوري البرلمانية، تشير التقارير إلى حضور نحو 90 نائباً من أصل 135 مقعداً يمتلكها الحزب حالياً. وفي حال انضمام هذه الأغلبية إلى الحزب الجديد، فإنه سيتحول تلقائياً إلى أكبر تكتل معارض تحت قبة البرلمان. ولم يقتصر الزخم المؤيد لأوزيل على النواب فحسب، بل امتد ليشمل 74 من رؤساء فروع الحزب في الولايات، مما يعكس تصدعاً عميقاً في القواعد التنظيمية للحزب الأم.
فلسفة “قميص النار” والأهداف الاستراتيجية
في خطاب اتسم بنبرة تحدٍ ومسؤولية، أكد أوزيل أن حركته لا تتخلى عن هويتها السياسية بل تتبنى مسؤولية أصعب، واصفاً الخطوة بأنها “ارتداء لقميص من نار” من أجل مستقبل البلاد. وشدد على أن الطموح لا يقف عند حدود قيادة المعارضة، بل يمتد بوضوح نحو الوصول إلى سدة الحكم. ورغم عدم الكشف عن اسم الحزب أو شعاره أو موعد تسجيله الرسمي بانتظار الانتهاء من الإجراءات الفنية، إلا أن أوزيل أشار إلى أن كل من لم يعلن صراحةً ابتعاده عن هذا المسار فهو جزء منه.
السياق السياسي والضغوطات الموازية
يأتي هذا الانشقاق في وقت حرج يواجه فيه حزب الشعب الجمهوري حملة من التحقيقات القانونية التي تستهدف بلدياته وكوادره العليا. ويبرز في هذا السياق استمرار احتجاز رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، رهن الحبس الاحتياطي منذ مارس 2025 بتهم تتعلق بالفساد، وهو ما ينفيه بشدة. ويرى الحزب أن هذه القضايا، بما فيها النزاع حول القيادة، هي حملات مسيسة تهدف لإضعاف المعارضة بعد النجاحات التي حققتها في الانتخابات المحلية لعام 2024 ضد حزب العدالة والتنمية الحاكم. ومع اقتراب الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقررة في 2028، أو احتمال إجرائها مبكراً، فإن ولادة هذا الحزب الجديد تمثل انقساماً جوهرياً في صفوف أكبر قوة معارضة في مواجهة حكومة الرئيس رجب طيب أردوغان.
تحليل المشهد: ما وراء الانشقاق
إن لجوء أوزغور أوزيل لتأسيس حزب جديد لا يمثل مجرد رد فعل على قرار قضائي، بل هو إقرار بفشل الآليات الداخلية في استيعاب التغيير القيادي. ومن الناحية الاستراتيجية، يهدف أوزيل إلى تحويل “الشرعية الانتخابية” التي حصل عليها في مؤتمر نوفمبر الملغى إلى “شرعية مؤسساتية” جديدة بعيدة عن دهاليز القضاء والطعون. هذا الانقسام قد يؤدي إلى تفتيت أصوات المعارضة في المدى القصير، لكنه في الوقت ذاته قد يخلق قطباً معارضاً أكثر تجانساً وقدرة على المناورة بعيداً عن أعباء الصراعات التاريخية داخل حزب الشعب الجمهوري.

