في تحليل على يوتيوب، تناول رئيس وقف “الفرقان” الإسلامي، الشيخ ألب أرسلان كويتول، ظاهرة ما يعرف بمجموعة “هركول الجديد” (Yeni Herkul)، وهي كيان إلكتروني برز مؤخراً ليعلن انشقاقه عن حركة كولن واعتذاره عن أحداث محاولة انقلاب الخامس عشر من يوليو 2016.
الشيخ كويتول، الذي سبق أن تعرض للاعتقال أكثر من مرة بسبب تصريحاته الناقدة لسياسات الحكومة، يضع هذه التحركات في ميزان النقد السياسي والاستراتيجي، مرجحاً أن تكون صناعة استخباراتية بحتة تهدف إلى إنقاذ السردية الرسمية للدولة من التآكل بعد مرور عقد من الزمن على وقوع تلك الأحداث.
الغموض الممنهج حول ماهية “هركول الجديد“
وفق الشيخ كويتول، تكتنف الضبابية هوية الأشخاص القائمين على هذا الكيان؛ فهم مجرد أسماء خلف شاشات الحواسيب، ولم تظهر شخصيات قيادية معروفة بوزنها التاريخي داخل الحركة لتؤكد انتسابها لهذا التوجه الجديد. ويرى أن هذا التخفي يثير تساؤلات جوهرية حول حقيقة وجود المجموعة ككيان منشق فعلي، أو ما إذا كانت مجرد واجهة وهمية أوجدتها أجهزة في الدولة العميقة.
ويقول الشيخ: “إن الخطاب الذي تتبناه هذه المجموعة يتطابق بصورة مريبة مع لغة مؤسسات الدولة الرسمية، مما يعزز الفرضية القائلة بأن هذا المشروع ليس إلا صدى لصوت السلطة يهدف لتحقيق غايات أمنية محددة”.
توقيت الظهور وتآكل الرواية الرسمية
يلفت كويتول إلى أن ظهور “هركول الجديد” يأتي بعد انقضاء عشر سنوات على محاولة الانقلاب، وهو توقيت يراه الشيخ مثيراً للريبة؛ فلو كان هناك ندم حقيقي أو رغبة في الانشقاق لظهرت بوادره في وقت أبكر بكثير. ويرى كويتول أن الدولة استنفدت طاقة السردية الأصلية للانقلاب، حيث أصاب المجتمع التركي نوع من السأم والضجر من تكرار الأسطوانة ذاتها يومياً. فالمداهمات المستمرة والاعتقالات المتكررة لذات الأشخاص خلقت حالة من “تآكل المصداقية”، مما دفع ببعض الدوائر داخل الدولة إلى ابتكار استراتيجية بديلة تهدف لبعث الحياة في الرواية الرسمية من خلال “اعترافات” مصطنعة.
توظيف “فزاعة” الانقلاب لتحجيم العمل الدعوي
يرتكز تحليل كويتول على أن الهدف الأبعد وراء استدامة ملف الانقلاب طوال عقد من الزمن لم يكن مجرد المحاسبة القانونية، بل استخدامه كذريعة لترهيب المجتمع الإسلامي بمختلف أطيافه. لقد تم تحويل أحداث يوليو إلى أداة لضرب العمل الإسلامي الجماعي، حيث أصبح الخوف من الوصم بالانتماء لكيانات محظورة هاجساً يبعد الناس عن الأنشطة الدعوية والخدمات الإسلامية. واليوم، مع تصاعد التشكيك الشعبي ووضوح الكثير من النقاط المظلمة في أحداث تلك الليلة، تسعى الاستراتيجية الجديدة إلى قفل هذا الملف عبر “مشهد اعتراف” يبرر كل الإجراءات القمعية السابقة ويمنحها صكاً من الشرعية، وفق الشيخ.
استراتيجية “الشقاق المصطنع” وتفتيت الصفوف
ويتابع كويتول: “في ظل تماسك بقايا الحركة ورفض الغالبية العظمى منهم الاعتراف بالتخطيط للانقلاب، يبدو أن الدولة لجأت إلى هندسة انقسام داخلي من خلال “هركول الجديد”. تهدف هذه المناورة إلى خلق مسار بديل يغري المترددين بالانضمام إليه تحت مسمى “الندم والتصالح”، وهو ما يخدم الدولة في ضرب وحدة هذا الكيان وتفتيته من الداخل بدلاً من الاعتماد الكلي على الضغط الخارجي الذي لم يؤدِ إلى نتائج نهائية. إنها محاولة لتصدير صورة مفادها أن هناك “جزءاً طيباً” قد عاد لرشده، وبذلك تكتمل حلقة الإدانة للجزء المتبقي”.
غياب المؤشرات الميدانية على صدق التوجه
يضع الشيخ كويتول اختباراً عملياً لمصداقية هذه المجموعة؛ فإذا كان هؤلاء منشقين صادقين ويرغبون فعلياً في “التكفير” عما ارتكبوه، فإن المسار الطبيعي والقانوني هو تسليم أنفسهم للسلطات القضائية والأمنية، وتقديم إفادات رسمية وعلنية. أما الاكتفاء بنشر البيانات عبر الإنترنت ومطالبة الدولة بإدماجهم في مسارات سياسية دون الخضوع للمساءلة، فيشير بوضوح إلى أنهم يتحركون ضمن “ترتيب مسبق” مع أجهزة الدولة. فالطريق لمن يريد التوبة القانونية واضح، وعدم سلوك هذا الطريق يرسخ القناعة بأن العملية برمتها ليست سوى فصل من فصول مسرحية أمنية طويلة، على تعبير الشيخ.
قراءة الشيخ كويتول لهذه الظاهرة تتجاوز السطح لتكشف عن صراع أعمق حول “صناعة الحقيقة” في تركيا. فالدولة العميقة، بحسب رؤيته، تحاول الخروج من مأزق الاستهلاك الزمني لملف الانقلاب عبر ابتكار خصم “تائب” يؤدي دور الشاهد على الرواية الرسمية. هذا التحول الاستراتيجي يشير إلى أن الدولة تدرك تماماً أن أدوات الضغط القديمة بدأت تفقد فاعليتها، وأن استمرار حالة الاحتقان دون مخرج “اعترافي” قد يؤدي إلى انفجار الأسئلة المسكوت عنها حول حقيقة ما جرى في تلك الليلة التاريخية.
خلاصة
يذكر أن الشيخ كويتول يختلف فكريا ونهجا عن حركة كولن، وله انتقادات فكرية لها، إلا أنه ذكر في أكثر من تصريحاته أن ما سماه “الدولة العميقة” اتفق مع حكومة أردوغان لضم كل الجماعات الإسلامية تحت سقف الدولة، وتصفية كل معارض لهذا المشروع منذ العقد الثاني من حكم حزب العدالة والتنمية. وأفاد أن المشروع بدأ باستهداف أكبر جماعة في تركيا ومنتشرة في العالم أيضا، وهي حركة كولن، حتى تخاف الحركات الإسلامية الصغيرة وتعدل وتضبط سلوكها تجاه الدولة.
ويرصد كويتول في هذا التحليل المرئي التساؤلات الدائرة حول حقيقة كيان إلكتروني جديد يطلق على نفسه اسم “هركول الجديد”، والذي أعلن انفصاله عن جماعته الأم (حركة الخدمة) وتوبته عن أحداث 15 يوليو 2016. يشكك كويتول في مصداقية هذه المجموعة، معتبراً أن غياب الهويات الواضحة للشخصيات القيادية فيها يثير الريبة حول كونها صناعة استخباراتية. ويرى كويتول أن هذا التطور قد يكون استراتيجية من “الدولة العميقة” لشق صفوف المعارضة وإنهاء حالة السخط الشعبي من العمليات الأمنية المستمرة منذ عقد، خصوصًا إذا أخذ بنظر الاعتبار انضواء هذه المجموعة تحت مظلة الزعيم السياسي العلماني القومي المتشدد دوغو برينجك. كما يشير كويتول إلى أن صياغة بيانات هذا الكيان تتماشى تماماً مع الخطاب الرسمي للدولة، مما يضعف فرضية الانشقاق الطوعي. ويخلص التحليل إلى أن الهدف النهائي قد يكون دفع أفراد حركة الخدمة للاعتراف بجرائم لم يرتكبوها تحت غطاء المراجعة الفكرية.

