كشف وزير الدفاع التركي السابق ورئيس لجنة الدفاع الوطني في البرلمان، خلوصي أكار، أن الخلاف الممتد بين تركيا والولايات المتحدة بشأن منظومة الدفاع الجوي الروسية «إس-400» بات يقترب من مرحلة الحسم، معرباً عن اعتقاده بأن إزالة هذا الملف من جدول الخلافات الثنائية ستفتح الطريق أمام استعادة أنقرة عضويتها في برنامج المقاتلة الأميركية الشبح «إف-35».
وجاءت تصريحات أكار عقب سلسلة لقاءات أجراها وفد برلماني تركي مع أعضاء في الكونغرس الأميركي بالعاصمة واشنطن، في إطار مشاورات تناولت ملفات التعاون الدفاعي والعلاقات العسكرية بين البلدين، دون أن يكشف المسؤول التركي عن طبيعة التسوية المحتملة أو موعد تنفيذها.
لقاءات مكثفة في واشنطن لتعزيز التعاون الدفاعي
وضم برنامج الزيارة اجتماعات مع رؤساء وأعضاء لجان القوات المسلحة والاستخبارات والشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي، إلى جانب رئيس الوفد الأميركي لدى الجمعية البرلمانية لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، في مؤشر على أن ملف التعاون الدفاعي بين البلدين عاد إلى صدارة الحوار السياسي والعسكري.
وأوضح أكار أن المناقشات التي جرت خلال هذه اللقاءات عكست أجواء أكثر إيجابية مقارنة بالسنوات الماضية، مشيراً إلى أن مسؤولين أميركيين أبدوا استعداداً للنظر في معالجة القضايا العالقة التي عطلت التعاون العسكري بين الجانبين.
تصريحات أميركية متفائلة بشأن برنامج «إف-35»
وأشار أكار إلى أن عضو مجلس النواب الأميركي مايك تيرنر وصف النقاشات المتعلقة بإمكانية عودة تركيا إلى برنامج «إف-35» بأنها “واعدة للغاية”، وذلك في أعقاب الاتصالات التي جرت خلال قمة حلف الناتو التي استضافتها أنقرة يومي السابع والثامن من يوليو/تموز.
ورأى أن هذه التصريحات تعكس تحولاً ملحوظاً في المزاج السياسي داخل بعض الدوائر الأميركية، بما قد يهيئ الأرضية لمعالجة أحد أكثر الملفات تعقيداً في العلاقات الثنائية.
نفي قاطع لفرضية نقل منظومة «إس-400» إلى الإمارات
وفي معرض رده على تقارير إعلامية تحدثت عن احتمال نقل منظومات «إس-400» الروسية إلى دولة الإمارات العربية المتحدة كحل لتجاوز الاعتراضات الأميركية، نفى أكار تلك الروايات بشكل قاطع.
وأكد أن أنقرة لم تطرح مثل هذا الخيار، ولم تبلغ أي جهة بأن المنظومات ستُنقل إلى الإمارات، نافياً وجود أي اتفاق من هذا النوع.
أنقرة: الملف يسير نحو التسوية
وأوضح أكار أن المسؤولين الأتراك أبلغوا نظراءهم الأميركيين بأن الجانبين توصلا إلى تفاهم يقضي بوضع قضية «إس-400» على مسار يؤدي إلى حلها، مضيفاً أن المسؤولين الأميركيين تلقوا، عبر قنواتهم الخاصة، معطيات عززت قناعتهم بإمكانية إحراز تقدم خلال المرحلة المقبلة.
وأكد أن قضية المنظومة الروسية “ستُحل بطريقة أو بأخرى”، مشيراً إلى أن السبب الرسمي الذي استندت إليه الولايات المتحدة لاستبعاد تركيا من مشروع «إف-35» كان امتلاكها منظومة «إس-400»، وبالتالي فإن إنهاء هذا الخلاف ينبغي أن يقود، منطقياً، إلى إعادة مشاركة تركيا في البرنامج.
جذور الأزمة بين الحليفين داخل الناتو
تعود بداية الأزمة إلى عام 2019 عندما تسلمت تركيا أولى دفعات منظومة الدفاع الجوي الروسية «إس-400»، رغم التحذيرات الأميركية المتكررة من إتمام الصفقة.
وردت واشنطن آنذاك بإخراج أنقرة من برنامج المقاتلة متعددة المهام «إف-35»، معتبرة أن تشغيل منظومة روسية متطورة داخل دولة عضو في حلف الناتو قد يتيح لموسكو جمع معلومات حساسة عن القدرات التقنية والتخفي الإلكتروني للطائرة، بما يهدد أمن التكنولوجيا العسكرية للحلف.
في المقابل، رفضت تركيا هذه المبررات، مؤكدة أن المنظومة الروسية لن تُدمج في شبكات الناتو، كما اقترحت تشكيل لجنة فنية مشتركة لدراسة المخاوف الأميركية بصورة علمية وتقنية، إلا أن المقترح لم يتحول إلى آلية تنفيذية.
عقوبات أميركية على الصناعات الدفاعية التركية
ولم يتوقف الخلاف عند استبعاد تركيا من مشروع «إف-35»، إذ فرضت الولايات المتحدة في عام 2020 عقوبات على رئاسة الصناعات الدفاعية التركية (SSB) بموجب قانون مكافحة أعداء أميركا من خلال العقوبات (CAATSA).
وشملت العقوبات فرض قيود على منح تراخيص تصدير المعدات الدفاعية الأميركية، إضافة إلى تقييد التمويل والتعاملات مع المؤسسة المسؤولة عن تطوير الصناعات الدفاعية التركية، الأمر الذي انعكس على عدد من مشاريع التعاون العسكري بين البلدين.
أنقرة تتمسك بحقها كشريك صناعي لا كمشتَرٍ فقط
وتؤكد الحكومة التركية باستمرار أن مشاركتها في برنامج «إف-35» لم تكن تقتصر على شراء الطائرات، بل كانت شريكاً صناعياً أساسياً في المشروع الدولي.
وقبل استبعادها، كانت شركات تركية تنتج مئات المكونات المستخدمة في تصنيع الطائرة، وهو ما دفع أنقرة إلى المطالبة بإعادتها إلى موقعها الأصلي داخل البرنامج، وليس الاكتفاء بالسماح لها مستقبلاً بشراء الطائرات باعتبارها زبوناً عادياً.
وزارة الدفاع التركية: العمل مستمر والنتائج ستُعلن عند نضوجها
وفي أحدث موقف رسمي، أعلنت وزارة الدفاع التركية أن العمل المتعلق بمنظومات «إس-400» يتواصل “على عدة مسارات وفي أبعاد مختلفة”، مؤكدة أن الرأي العام سيُبلغ بأي تطورات ملموسة فور التوصل إلى نتائج نهائية.
ويُفهم من هذا التصريح أن الاتصالات السياسية والفنية لا تزال مستمرة بعيداً عن الإعلام، في ظل رغبة متبادلة في تفادي التصعيد وتهيئة الظروف لتسوية قد تعيد ترتيب التعاون الدفاعي بين البلدين.
هل تشهد العلاقات الدفاعية بين أنقرة وواشنطن مرحلة جديدة؟
تأتي تصريحات أكار في وقت تشهد فيه العلاقات التركية الأميركية قدراً من الانفراج مقارنة بالسنوات الماضية، خاصة بعد موافقة واشنطن على صفقة تحديث وبيع مقاتلات «إف-16» لتركيا، وتزايد التنسيق بين البلدين داخل حلف الناتو بشأن ملفات الأمن الأوروبي والبحر الأسود والشرق الأوسط.
ويرى مراقبون أن مستقبل ملف «إس-400» سيظل العامل الأكثر تأثيراً في إعادة بناء الثقة بين الطرفين، إذ إن أي تسوية مقبولة قد تفتح الباب أمام استعادة مستويات أوسع من التعاون العسكري والصناعي، بينما سيبقى أي تعثر في هذا الملف كفيلاً بإبقاء أحد أبرز مصادر التوتر بين الحليفين داخل الحلف الأطلسي.

