أوقفت السلطات التركية، الخميس، المتسلق الشهير ورائد أعمال البحث والإنقاذ نصوح محروقي، مؤسس والرئيس السابق لفريق AKUT للبحث والإنقاذ، على خلفية منشور نشره عبر منصة “إكس” تناول فيه أحداث محاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها تركيا في 15 يوليو/تموز 2016، مقدماً رواية تتعارض مع السردية الرسمية التي تتبناها الحكومة.
وأعلنت نيابة باكيركوي العامة في إسطنبول أنها فتحت تحقيقاً بحق محروقي، وأصدرت أمراً بتوقيفه بتهمة “التحريض على الكراهية والعداء بين أفراد المجتمع أو الحط من شأن فئة من الجمهور“، وهي التهمة المنصوص عليها في المادة 216 من قانون العقوبات التركي.
وأكدت النيابة أن التصريحات التي تضمنها منشوره لا تستند إلى وقائع، ووصفتها بأنها ادعاءات لا أساس لها.
منشور أعاد فتح الجدل حول أحداث 15 يوليو
في المنشور الذي نشره يوم 15 يوليو، وصف محروقي ما جرى عام 2016 بأنه “محاولة انقلاب جرى التحكم بها“، معتبراً أن مؤسسات الدولة كانت على علم مسبق بالتحركات العسكرية، لكنها لم تتدخل لإيقافها لأنها رأت فيها فرصة لإحداث تغيير جذري في نظام الحكم داخل البلاد.
ويمثل هذا الطرح إحدى أكثر الروايات إثارة للجدل في النقاش السياسي التركي، إذ سبق أن تبناه عدد من المعارضين والباحثين الذين يشككون في الرواية الرسمية، بينما ترفضه الحكومة بشكل قاطع.
توقيفه فور عودته من جنوب أفريقيا
وقبيل تنفيذ قرار توقيفه، كتب محروقي عبر حسابه على منصة “إكس” أن عناصر الشرطة وصلوا إلى منزله، وأنهم اصطحبوه إلى مديرية أمن إسطنبول في منطقة وطن (Vatan) لاستكمال الإجراءات القانونية.
وأوضح أنه عاد مع أفراد أسرته إلى تركيا قادماً من جوهانسبرغ في جنوب أفريقيا في الليلة السابقة مباشرة، قبل ساعات قليلة من توقيفه.
ولم تصدر السلطات حتى ذلك الوقت أي معلومات بشأن موعد مثوله أمام النيابة أو ما إذا كانت ستطالب المحكمة بإيداعه الحبس الاحتياطي على ذمة التحقيق.
توقيت حساس بعد الذكرى العاشرة للانقلاب
جاء توقيف محروقي بعد يوم واحد فقط من إحياء تركيا الذكرى العاشرة لمحاولة الانقلاب، وهي مناسبة لا تزال تمثل إحدى أكثر القضايا حساسية في الحياة السياسية التركية.
وكان محروقي قد نشر المنشور الذي أصبح أساساً للتحقيق في يوم إحياء الذكرى، الأمر الذي منح القضية بعداً سياسياً وإعلامياً إضافياً، نظراً لارتباطها المباشر بملف لا يزال يثير انقساماً واسعاً داخل المجتمع التركي.
روايتان متعارضتان حول ما جرى في ليلة الانقلاب
لا تزال أحداث ليلة 15 يوليو/تموز 2016 موضع جدل سياسي وقانوني واسع.
وتؤكد الحكومة التركية أن حركة الخدمة المستلهمة من الراحل فتح الله كولن هي التي خططت لمحاولة الانقلاب ونفذتها، وهو اتهام تنفيه الحركة بصورة قاطعة، مؤكدة أنها لم تشارك في أي عمل انقلابي أو نشاط إرهابي، ومطالبة بتحقيق دولي شفاف.
في المقابل، يواصل عدد من السياسيين والباحثين والحقوقيين طرح تساؤلات تتعلق بمدى معرفة السلطات المسبقة بالتحركات العسكرية، وما إذا كانت الحكومة استثمرت فشل الانقلاب لتوسيع حملة الإقصاء ضد خصومها السياسيين، وإعادة تشكيل مؤسسات الدولة، وإحكام السيطرة على الجيش والأجهزة القضائية والأمنية.
وتحولت هذه القضية خلال السنوات الماضية إلى أحد أكثر الملفات إثارة للجدل في الداخل التركي، مع استمرار التباين الحاد بين الرواية الرسمية والروايات التي تتبناها أطراف معارضة أو مستقلة.
حملة واسعة أعقبت محاولة الانقلاب
أعقب فشل الانقلاب مباشرة إطلاق الحكومة التركية حملة أمنية وقضائية غير مسبوقة، اتهمت خلالها حركة الخدمة بالوقوف وراء المحاولة.
وشملت الحملة اعتقال عشرات الآلاف من العسكريين والقضاة والموظفين والأكاديميين والصحفيين، إلى جانب فصل أعداد كبيرة من وظائفهم وإغلاق مؤسسات تعليمية وإعلامية ومدنية، بينما تؤكد السلطات أن هذه الإجراءات جاءت في إطار مكافحة التنظيم الذي تصنفه إرهابياً، في حين تعتبرها منظمات حقوقية ومعارضون حملة تطهير سياسية واسعة النطاق.
من هو نصوح محروقي؟
يعد نصوح محروقي من أبرز الشخصيات المعروفة في مجال الإنقاذ والعمل التطوعي في تركيا.
فقد أسس فريق AKUT، الذي اكتسب شهرة وطنية واسعة بفضل مشاركته في عمليات الإنقاذ عقب الزلازل والكوارث الطبيعية والحوادث الكبرى، كما عرف أيضاً بإنجازاته في رياضة تسلق الجبال، إضافة إلى مواقفه السياسية المنتقدة للحكومة خلال السنوات الأخيرة.
سجل سابق من الملاحقات القضائية
ليست هذه المرة الأولى التي يواجه فيها محروقي إجراءات قضائية بسبب منشوراته على وسائل التواصل الاجتماعي.
ففي 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2024 أوقفته السلطات بعد نشره رسائل اتهم فيها الهيئات الانتخابية التركية بالتحضير للمساس بأمن الانتخابات عبر أنظمة التصويت الإلكتروني.
وبقي حينها قيد الحبس الاحتياطي لمدة أربعة عشر يوماً، قبل أن يطلق سراحه في 5 ديسمبر/كانون الأول 2024.
وفي 21 فبراير/شباط 2025 أصدرت إحدى محاكم إسطنبول حكماً بحقه بالسجن 11 شهراً مع وقف التنفيذ، بعد إدانته بتهمة نشر معلومات مضللة علناً، وهي التهمة التي أضيفت إلى قانون العقوبات التركي في إطار التشريعات المتعلقة بمكافحة التضليل الإعلامي.
دلالات القضية في السياق السياسي الراهن
يعكس توقيف محروقي استمرار الحساسية البالغة التي تحيط بأي نقاش يتعلق بمحاولة انقلاب 15 يوليو، حتى بعد مرور عقد كامل على وقوعها. كما يأتي في ظل استمرار السلطات في ملاحقة شخصيات عامة وصحفيين وناشطين بسبب تصريحات أو منشورات تتناول هذه القضية من منظور مخالف للرواية الرسمية.
ويرى مراقبون أن استمرار فتح تحقيقات جنائية على خلفية التعليقات المتعلقة بأحداث 2016 يؤكد أن هذا الملف ما زال يحتل موقعاً مركزياً في المشهد السياسي والقضائي التركي، وأن الجدل حول حقيقة ما جرى في تلك الليلة لم يُحسم على الرغم من مرور عشر سنوات، بل لا يزال يمثل أحد أبرز خطوط الانقسام في الحياة السياسية التركية.

