تتناول تحليلات الباحث والكاتب التركي أرقم طوفان أبعاد قمة الناتو التي بدأت اليوم في أنقرة، معتبراً إياها أكثر من مجرد اجتماع دولي، بل هي بمثابة “قبلة حياة” سياسية يسعى الرئيس أردوغان لاستثمارها في توقيت حرج.
في تحليل قدمه عبر صفحته على يوتيوب، يرى طوفان أن انعقاد القمة في مجمع “بيشتيبي” الرئاسي يحمل دلالات رمزية عميقة، حيث لا يزور القادة الغربيون تركيا كدولة فحسب، بل يدخلون إلى مركز ثقل النظام، مما يمنح أردوغان الفرصة لتسويق مشهد “القائد العالمي” الذي يهرع الجميع إلى بوابته، رداً على كل من وصفه بالديكتاتور أو حاول تهميشه دولياً.
هندسة الصورة وإدارة المشهد السينمائي
وفقاً لرؤية أرقم طوفان، فإن السياسة في تركيا تحولت إلى ما يسميه “هندسة الصورة“؛ فبينما يواجه النظام ضغوطاً داخلية تتمثل في تدهور الأوضاع الاقتصادية وتراجع الشرعية الشعبية في صناديق الاقتراع، يبرز الاحتياج للصور الخارجية كـ “أنابيب أكسجين” سياسية.
ويحلل طوفان المشهد بوصفه “مسرحية” كبرى، حيث يلعب القادة العالميون أدوار الكومبارس، والجمهور هو الشعب التركي، بينما يمثل المجمع الرئاسي الديكور الفاخر الذي يُخفي خلف كواليسه واقعاً مغايراً.
ويشير طوفان بوضوح إلى أن التحضير لهذه القمة يتجاوز البروتوكولات الدبلوماسية ليشمل “تنظيف الواقع“؛ حيث يتم إبعاد المعارضين، وإخفات أصوات الاحتجاج، وتغييب صور الفقر واللاعدالة من كادر الكاميرا، ليُعرض على قادة الناتو “تركيا الديكور” بدلاً من تركيا الحقيقية.
المقايضة الاستراتيجية: الديمقراطية مقابل الاستقرار
يكشف أرقم طوفان عما يصفه بـ“ازدواجية المعايير الغربية“، حيث يدرك القادة الأوروبيون والأمريكيون تماماً حالة التراجع الديمقراطي، وقمع الصحافة، واستخدام القضاء كأداة ضد المعارضة في تركيا. ومع ذلك، يرى طوفان أن المصالح الأمنية المتعلقة بملفات البحر الأسود، والحرب الأوكرانية، والملف الإيراني والسوري، وقضايا الهجرة، تدفع الغرب لركن ملف الديمقراطية جانباً.
ويخلص الكاتب إلى أن الرسالة الغربية الضمنية لأردوغان هي: “نحن لا نؤيدك لكننا نحتاج إليك”، وهي حاجة يستغلها أردوغان بذكاء لانتزاع اعتراف بشرعيته عبر السجادة الحمراء والصور الجماعية التي تُوحي بالدعم الدولي المطلق، مما يغطي على الأزمات المعيشية والقانونية في الداخل.
التداعيات على السيادة والمستقبل السياسي
يحذر أرقم طوفان من أن اعتماد السلطة على “التنفس الاصطناعي” القادم من الخارج عبر هذه القمم الدولية يعكس ضعفاً وليس قوة؛ فكلما تآكلت القاعدة الشعبية في الداخل، زاد الإلحاح على استجداء الشرعية من القادة الأجانب. ويرى الباحث أن هذا الوضع يجعل القيادة التركية عرضة للابتزاز والتوظيف من قبل القوى الدولية التي تجد في “قائد محتاج لقبلة الحياة” طرفاً أسهل في التعامل لتحقيق مصالحها الخاصة، مما قد يحول هذا النمط السياسي إلى تهديد للأمن القومي على المدى البعيد.
بناءً على هذه المعطيات، تظل قمة بيشتيبي في نظر طوفان مجرد “فيترينا” دبلوماسية براقة، تهدف لترميم صورة النظام المهتزة داخلياً عبر استغلال البراغماتية الغربية التي تضحي بالمبادئ الديمقراطية من أجل التوازنات الجيوسياسية.
خلاصة
تمثل قمة الناتو في بيشتيبي محاولة من أردوغان لتعويض تآكل شرعيته الداخلية عبر “هندسة صورة” دولية، مستغلاً حاجة الغرب الاستراتيجية لتركيا رغم تحفظه على واقعها الديمقراطي. ويرى أرقم طوفان أن هذا الاعتماد على الدعم الخارجي للبقاء سياسياً يحول المشهد الدبلوماسي إلى مجرد “جهاز تنفس اصطناعي” لسلطة تواجه أزمات اقتصادية وحقوقية عميقة.

