تعد أحداث الانقلاب الغامض في الخامس عشر من يوليو ٢٠١٦ علامة فارقة في التاريخ التركي المعاصر، ومع مرور عقد من الزمان، تبرز إلى السطح شهادات تعيد قراءة الأحداث من زوايا مغايرة للرواية الرسمية.
في هذا السياق، يأتي الفيلم الوثائقي “بيشتيبه” (Beştepe) الذي نشر على يوتيوب أمس، ليكشف الستار عما جرى داخل أروقة قيادة الجندرمة في أنقرة، مستنداً إلى شهادات حية ووثائق قضائية تُنشر لأول مرة.
استدراج تحت غطاء مكافحة الإرهاب
تشير الشهادات الواردة في الوثائقي إلى أن تحركات العسكريين ليلة الحادثة لم تكن نابعة من مخطط انقلابي مسبق لدى الأفراد، بل جاءت استجابة لإنذارات روتينية وبلاغات عن تهديدات إرهابية.
ويروي جنود كانوا في الخدمة أنهم وجدوا أنفسهم فجأة في قلب دوامة من الأحداث المتسارعة بعد استدعائهم لوحداتهم بشكل عاجل، دون إدراك حقيقي لطبيعة ما يجري في الخارج.
وتُظهر هذه المعطيات فجوة بين النوايا الفردية للضباط وبين السياق العام الذي وُضعوا فيه، مما يضفي صبغة من التعقيد على التوصيف القانوني لأفعالهم ليلة الحادثة.
معيار القوائم الجاهزة والانتقائية الأمنية
يطرح النقيب السابق في الجندرمة، أوميت بربر، رؤية تحليلية تتجاوز أحداث الليلة ذاتها، معتبراً أن التحقيقات التي تلت ذلك التاريخ لم تكن مرتبطة بالضرورة بما اقترفه الأفراد ميدانياً.
ويؤكد بربر أن المعيار الحقيقي للملاحقة كان يتمثل في وجود الاسم ضمن “قوائم معدة سلفاً”، بغض النظر عن انخراط الشخص في العمليات أو حتى حمله للسلاح من عدمه.
هذا التحليل يشير إلى وجود استراتيجية تطهير مؤسسي سبقت الحادثة، حيث تم استغلال الاضطرابات لتنفيذ عمليات إقصاء واسعة النطاق بناءً على تصنيفات أمنية مسبقة وليس على وقائع الجرم المشهود.
لغز الحصار والحقيقة البالستية
رغم تصوير مقر الجندرمة في “بيشتيبه” كمركز لإدارة التمرد، إلا أن الشهود يؤكدون أن المبنى تعرض لإطلاق نار كثيف من طرف واحد، دون حدوث اشتباكات فعلية مع المدنيين أو قوات الأمن في الخارج.
ومن الناحية التحليلية، فإن الطبيعة الهيكلية والموقع الجغرافي للمبنى لا تؤهله ليكون مركزاً للسيطرة على انقلاب عسكري، وهو ما يتناقض مع السردية التي تبنتها الجهات الرسمية.
والأهم من ذلك، ما أثبتته تقارير الفحص البالستي التي اعتمدتها المحكمة لاحقاً، حيث تأكد أن رصاصات العسكريين المتهمين لم تكن وراء مقتل أي من المدنيين الذين سقطوا في محيط المقر.
هذا التناقض الصارخ بين البراءة الميدانية من الدماء وبين الأحكام القاسية التي شملت المؤبد المشدد لـ ٨٦ فرداً يثير تساؤلات جوهرية حول عدالة المسار القضائي.
الانتهاكات المنهجية وتغييب الأدلة
يسلط الوثائقي الضوء على جانب مظلم يتعلق بالتعامل مع الأسرى والموقوفين، حيث وثّق حالات إعدام ميداني لضباط حاولوا الاستسلام، مثل حالة النقيب ياسين أوزدمير.
كما قدم الملازم الطبيب عثمان ألماليجا شهادة مفصلة حول صنوف التعذيب الجسدي والنفسي المنهجي التي تعرض لها المعتقلون لانتزاع اعترافات معينة.
وبالتوازي مع هذا القمع الجسدي، شهد المسار القانوني خروقات تمثلت في حجب تسجيلات كاميرات المراقبة التي قد تثبت براءة المتهمين، أو تقديم نسخ مجتزأة ومتلاعب بها للمحكمة، مما أعاق قدرة الدفاع على تقديم حجة دامغة تنفي التهم الموجهة لموكليهم.
مراكز القوى والأدوار الغامضة
تظل أدوار قيادات عليا، مثل عارف شيتين وتورغوت أصلان، محل جدل كبير في هذه القضية، نظراً لتواجدها في مواقع حساسة ليلة الانقلاب المزعوم.
وتشير التحليلات إلى أن فهم ما حدث يتطلب تدقيقاً في الأوامر الصادرة “بقتل الجميع” دون توجيه نداءات استسلام، وهي الأوامر التي أصدتها جهات قيادية وسياسية ليلة الواقعة.
إن هذه التفاصيل، عند ربطها ببعضها البعض، ترسم صورة لعملية أمنية معقدة تتجاوز فكرة الانقلاب البسيط لتصل إلى صراع نفوذ وتصفية حسابات داخل أجهزة الدولة.
خلاصة
يقدم وثائقي “بيشتيبه” مراجعة نقدية عميقة لأحداث الجندرمة، كاشفاً عن تناقضات بين النتائج البالستية والأحكام القضائية، مع توثيق انتهاكات حقوقية واسعة شابت مرحلة ما بعد يوليو ٢٠١٦. الرواية البديلة للأحداث تعتمد على شهادات الميدان التي تؤكد غياب القصد الجنائي لدى أغلب العسكريين، وتعرضهم لعملية استدراج أعقبتها تصفيات قانونية وجسدية ممنهجة بموجب خطة معدة سلفا.

