تحولت الاستعدادات لانعقاد القمة السادسة والثلاثين لحلف شمال الأطلسي (الناتو) في أنقرة إلى مناسبة لإثارة ملف الحريات العامة في تركيا، بعدما وجّه صحفي هولندي سؤالاً مباشراً إلى الأمين العام للحلف، مارك روته، بشأن الاعتقالات الأخيرة التي استهدفت معارضين، ومن بينهم الممثل الكوميدي دنيز غوكتاش، وما إذا كانت هذه التطورات تتوافق مع استضافة دولة عضو لاجتماع يضم دولاً تصف نفسها بالديمقراطيات الليبرالية.
وجاءت تصريحات روته خلال مؤتمر صحفي عقده في العاصمة التركية عقب وصوله للمشاركة في أعمال القمة، حيث تناولت الأسئلة كلاً من الوضع الداخلي في تركيا، ومستقبل الأمن الأوروبي، وزيادة الإنفاق الدفاعي، والحرب الروسية الأوكرانية.
سؤال حول دنيز غوكتاش والحريات العامة
وخلال المؤتمر، أشار الصحفي الهولندي إلى موجة التوقيفات التي سبقت انعقاد القمة، متوقفاً عند قضية الكوميدي دنيز غوكتاش، الذي أُوقف على خلفية اتهامات تتعلق بإهانة الرئيس والإساءة إلى القيم الدينية، وسأل روته عما إذا كانت أنقرة تمثل المكان الأنسب لاجتماع دول تقوم على مبادئ الديمقراطية الليبرالية، وما إذا كان سيناقش هذه الملفات مع الرئيس رجب طيب أردوغان.
روته: الديمقراطية منظومة متكاملة
في رده، شدد الأمين العام للناتو على أن الديمقراطية لا تقتصر على إجراء الانتخابات، بل تشمل منظومة أوسع من الحقوق والحريات.
وأوضح أن الديمقراطية تعني وجود إعلام حر ومستقل، وتمكين الصحفيين من طرح الأسئلة وإجراء التحقيقات وكتابة ما يرونه دون قيود، كما تشمل ضمان حق المواطنين في تنظيم المظاهرات والتعبير عن آرائهم بحرية.
وأضاف أن حرية وصول وسائل الإعلام إلى اجتماعات وأنشطة حلف الناتو تمثل بدورها جزءاً من البيئة الديمقراطية التي يحرص الحلف على دعمها داخل دوله الأعضاء.
ورغم هذه الإشارة إلى المبادئ الديمقراطية، لم يعلن روته عن توجيه انتقاد مباشر للحكومة التركية، كما لم يؤكد أنه سيطرح قضية غوكتاش أو ملف الحريات خلال اجتماعه بالرئيس أردوغان.
إشادة بالدور العسكري التركي داخل الحلف
وفي المقابل، خصص روته جانباً مهماً من حديثه للإشادة بالمكانة العسكرية التي تحتلها تركيا داخل الناتو.
وأكد أن أنقرة تؤدي دوراً محورياً في المنظومة الدفاعية للحلف، مشيراً إلى أن القوات المسلحة التركية تُعد من بين أكثر الجيوش كفاءة داخل الناتو، وأن الصناعات الدفاعية التركية شهدت تطوراً ملحوظاً خلال العقد الأخير، ما عزز من قدرات الحلف العسكرية بصورة عامة.
وأضاف أن تركيا، بما تمتلكه من موقع جغرافي استراتيجي وقدرات عسكرية وصناعية، تظل شريكاً لا غنى عنه في منظومة الأمن الجماعي للحلف.
توافق على رفع الإنفاق الدفاعي
وفي سياق التحضيرات للقمة، أعلن روته أن جميع الدول الأعضاء توصلت إلى توافق بشأن هدف رفع الإنفاق الدفاعي ليصل إلى خمسة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، معتبراً أن هذا التوافق يعكس إدراكاً جماعياً لحجم التحديات الأمنية التي تواجه الحلف.
وأشار إلى أن الحلف يعمل حالياً على تحويل قوته الاقتصادية إلى قدرات عسكرية أكثر تطوراً، من خلال زيادة الاستثمارات الدفاعية، وتعزيز الابتكار، وإطلاق عشرات المليارات من الدولارات في مشاريع صناعية وعسكرية جديدة.
وأوضح أن الاجتماعات المخصصة للصناعات الدفاعية، المقرر عقدها على هامش القمة، ستشكل منصة للإعلان عن مشاريع جديدة تهدف إلى تعزيز الردع العسكري، مع التركيز على التكنولوجيا والابتكار إلى جانب القدرات القتالية التقليدية.
تعزيز الجبهة الشرقية ودعم أوكرانيا
وأكد الأمين العام للناتو أن الحلف يواصل تعزيز وجوده العسكري على الجبهة الشرقية، ولا سيما في منطقة البلطيق، بالتوازي مع استمرار الدعم العسكري والسياسي لأوكرانيا.
وأشار إلى أن أمن أوكرانيا يرتبط بصورة مباشرة بأمن دول الحلف، مؤكداً أن كييف يجب أن تحصل على جميع الإمكانات التي تحتاج إليها لمواصلة الدفاع عن أراضيها.
وأضاف أن القمة ستناقش أيضاً تطوير القدرات الصناعية الدفاعية المشتركة بين الدول الأعضاء، بما يضمن تعزيز الجاهزية العسكرية وإرسال رسالة واضحة إلى موسكو بشأن وحدة موقف الحلف.
هجوم روسي جديد ورسائل إلى موسكو
وتطرق روته إلى الهجوم الروسي الأخير على أوكرانيا، معتبراً أن الضربات التي استهدفت المدن الأوكرانية تعكس، بحسب وصفه، حالة من العجز والإحباط لدى القيادة الروسية.
وأشار إلى أن أوكرانيا، رغم الخسائر البشرية التي تتكبدها، ما زالت قادرة على إعلان أعداد الضحايا بشفافية، مؤكداً أن كييف تواصل إلحاق خسائر بالاقتصاد الروسي، في وقت لم يعد التقدم الميداني الروسي بنفس الوتيرة التي شهدتها الأشهر الماضية، بعدما أصبحت المواجهات على خطوط القتال أكثر توازناً.
وأضاف أن استهداف المدنيين يمثل دليلاً على استمرار التصعيد الروسي ضد السكان الأوكرانيين، وهو ما يعزز، وفق تقديره، ضرورة مواصلة الدعم الغربي لكييف.
ترامب ودوره في زيادة الإنفاق الدفاعي
كما كشف روته عن لقائه الأخير بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، واصفاً الاجتماع بأنه كان إيجابياً، وقال إن النقاش ركز بصورة أساسية على زيادة موازنات الدفاع داخل دول الحلف.
واعتبر أن الضغوط التي مارسها ترامب خلال السنوات الماضية لعبت دوراً مهماً في دفع الدول الأوروبية وكندا إلى رفع إنفاقها العسكري، مشيراً إلى أن هذا التوجه أصبح اليوم محل توافق واسع داخل الحلف.
وأضاف أن المناقشات تناولت أيضاً أمن الملاحة الدولية، موضحاً أنه جرى التوافق خلال اجتماعات عقدت في سلطنة عُمان على أهمية ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، لما يمثله من أهمية استراتيجية للتجارة العالمية وأمن الطاقة.
خلفية المشهد
تأتي تصريحات الأمين العام للناتو في وقت تواجه فيه تركيا انتقادات متزايدة من منظمات حقوقية وأوساط سياسية غربية بسبب قضايا تتعلق بحرية التعبير، واستقلال القضاء، والإجراءات المتخذة بحق صحفيين ومعارضين وفنانين، بينما تؤكد الحكومة التركية أن جميع القضايا المنظورة أمام القضاء تستند إلى أحكام القانون، وترفض الاتهامات التي تتحدث عن وجود ملاحقات ذات دوافع سياسية.
وفي المقابل، تواصل أنقرة تعزيز مكانتها داخل الحلف الأطلسي عبر توسيع صناعاتها الدفاعية، وزيادة مساهمتها في العمليات العسكرية المشتركة، مستفيدة من موقعها الجغرافي الذي يمنحها دوراً محورياً في ملفات البحر الأسود، والشرق الأوسط، وشرق البحر المتوسط.
دلالات التصريحات
تعكس تصريحات مارك روته محاولة للموازنة بين التمسك بالقيم الديمقراطية التي يؤكد عليها حلف الناتو، وبين الحفاظ على الشراكة الاستراتيجية مع تركيا باعتبارها إحدى أهم القوى العسكرية داخل الحلف.
كما يظهر المؤتمر الصحفي أن القضايا المرتبطة بالحريات العامة في تركيا أصبحت حاضرة بصورة متزايدة في النقاشات الغربية، حتى خلال الاجتماعات المخصصة للملفات الأمنية والعسكرية، دون أن يؤدي ذلك حتى الآن إلى تغيير في الأهمية الاستراتيجية التي يوليها الحلف لأنقرة.
خلاصة
أكد الأمين العام للناتو أن الديمقراطية تشمل حرية الإعلام والتعبير والتظاهر، لكنه شدد في الوقت نفسه على الأهمية الاستراتيجية لتركيا داخل الحلف، واصفاً قواتها المسلحة وصناعاتها الدفاعية بأنها من بين الركائز الأساسية للأمن الأطلسي.
كما ركزت تصريحاته على توافق دول الناتو بشأن زيادة الإنفاق الدفاعي، واستمرار الدعم العسكري لأوكرانيا، وتعزيز القدرات الدفاعية المشتركة في مواجهة التحديات الأمنية المتصاعدة.

