بقلم: أمره أويلو
تركّزت الأنظار في تركيا خلال الأيام الأخيرة على التصريحات المثيرة التي أدلى بها وزير الخارجية هاكان فيدان بشأن مشروع المقاتلة الوطنية “قآن”. فقد أعلن فيدان أن محركات الطائرة، التي جرى الترويج لها بوصفها “محلية ووطنية”، لم يكن بالإمكان الحصول عليها من الولايات المتحدة بسبب عقوبات “كاتسا”. هذا التصريح فتح الباب أمام سجال حاد داخل حزب العدالة والتنمية.
فقد شنّ كتّاب مقرّبون من أصهار أردوغان هجوماً غير مباشر على فيدان، تحت شعار “لا مساس بصورة أردوغان”، ما أثار تساؤلات حول خلفيات هذه التصريحات: هل جاءت نتيجة زلة لسان، أم أنها انعكاس لصراع داخلي على السلطة؟ غير أن دخول الصحفي المقرّب من فيدان، جم كوتشوك، على خط النقاش كشف أن الأمر لم يكن عفوياً. إذ صرّح كوتشوك قائلاً: “لقد جرى توقيع اتفاق لشراء 90 محركاً من الولايات المتحدة لإنتاج أول 45 طائرة من طراز قآن، بينما قيل لأردوغان إن هذه الطائرات ستُنتج بمحركات محلية”. وبذلك ألقى بالمسؤولية على البيروقراطيين العاملين تحت نفوذ صهر الرئيس، سلجوق بيرقدار.
قد يُفهم هذا على أنه محاولة من فيدان لحماية نفسه عبر إلقاء اللوم على آخرين، إلا أن قراءة التطور في سياق صراعات السلطة تكشف أن الوزير دخل لأول مرة في مواجهة علنية مع بعض أجنحة العدالة والتنمية.
رسائل تتجاوز الداخل التركي
يلاحظ محللون أن النقاش في تركيا حصر القضية في إطار الديناميكيات الداخلية، غير أن التصريحات حملت أيضاً رسائل موجهة إلى عواصم خارجية. فخلال الأسابيع الأخيرة، واصل زعيم الحركة القومية دولت بهجلي، حليف أردوغان، طرح خيار التوجه شرقاً نحو الصين وروسيا، حتى بعد عودة الرئيس أردوغان من زيارته إلى الولايات المتحدة. ووسائل الإعلام القومية المقرّبة من بهجلي، وعلى رأسها صحيفة “ترك غون”، كثّفت خطابها المعادي لواشنطن، في إشارة إلى أن “الدولة العميقة” تسعى إلى تغيير في البوصلة الاستراتيجية.
ويؤكد المقال أن ما جرى لم يكن بعيداً عن هذه الأجواء؛ فتصريحات فيدان بشأن المحركات لا تنقض فقط نتائج زيارة واشنطن التي رتبها أصهار أردوغان، بل تكشف أيضاً أن الرئيس نفسه تم تزويده بمعلومات غير دقيقة. وهو ما يقرأ على أنه اصطفاف غير معلن لفيدان مع التيار الأوراسي المقرّب من بهجلي.
البحث عن شركاء جدد
يبدو أن فيدان، في مواجهة النفوذ الواسع الذي يتمتع به أصهار أردوغان ونجله بلال في الأوساط الأمريكية والأكاديمية الغربية، يسعى إلى استقطاب دعم من دوائر “الدولة القديمة”. فبينما استفاد برات ألبيرق من علاقاته مع عائلة ترامب، وحصل سلجوق بيرقدار على شبكة نفوذ عبر معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وبنى بلال أردوغان جسوراً في جامعتي هارفارد وجونز هوبكنز، لم يكن لخلفية فيدان التعليمية المتواضعة الوزن نفسه. لذا يبدو أن خياره هو الارتماء في أحضان المحور الروسي-الصيني لتوسيع هوامش لعبه السياسي.
واللافت أن أول كتاب يروّج لشخصية فيدان نُشر في موسكو، كما أنه أجرى لقاءات مطوّلة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فضلاً عن سماحه خلال فترة رئاسته لجهاز الاستخبارات التركي بعمليات نفذتها الاستخبارات الروسية ضد معارضين شيشانيين في إسطنبول. كل ذلك يؤشر إلى وجود أرضية مشتركة قد تُستثمر في المرحلة المقبلة.
معادلة تاريخية: لا سلطة بلا دعم خارجي
منذ العهد العثماني، لم يكن ممكناً لأي فاعل سياسي أن يفرض نفسه دون مظلة خارجية. وإذا كان أصهار أردوغان قد نجحوا في بناء شبكات نفوذهم في واشنطن والغرب، فإن فيدان، المهزوم مبدئياً في هذا الميدان، يحاول تعديل موازين القوى بالاستناد إلى روسيا والصين.
تصريحات فيدان لم تكن عابرة، بل خطوة محسوبة تهدف إلى تمهيد الأرضية لتحالف جديد داخل السلطة، يقوم على شراكة بينه وبين التيار الأوراسي في مواجهة جناح العائلة الحاكمة.

