بقلم: سليم نيازي أوغلو
تأخذ ملامح الدولة السورية الجديدة في التشكل عبر مسارين متوازيين، حيث تضع القيادة الحالية المؤسسة العسكرية في قلب التحول الهيكلي الداخلي، بالتزامن مع كسر طوق العزلة الدولية من بوابة العاصمة باريس؛ وهو ما يعكس استراتيجية شاملة تهدف إلى الانتقال من منطق “الفصائلية” إلى سيادة “المؤسسات”.
هيكلة المؤسسة العسكرية: الانتقال نحو الاحترافية الأكاديمية
تمثل الخطوة التي اتخذها الرئيس السوري أحمد الشرع بإنشاء “الجامعة الوطنية للعلوم الدفاعية” في دمشق حجر الزاوية في خطة طموحة لإعادة صياغة الجيش السوري على أسس حديثة. هذا المشروع لا يهدف فقط إلى التنظيم الإداري، بل يسعى إلى إحلال العقيدة العسكرية الوطنية محل الولاءات الفصائلية التي تكرست خلال سنوات النزاع، وضمان خضوع كافة التشكيلات المسلحة لقيادة مركزية موحدة تلتزم بالقواعد القانونية الصارمة، وفق بيان السلطات السورية.
وتتجلى أهمية هذه الجامعة في تمتعها باستقلال مالي وإداري وشخصية اعتبارية، مع خطط توسعية تشمل افتتاح فروع ومعاهد تدريبية في مختلف المحافظات السورية مستقبلاً، مما يضمن انتشار التكوين العسكري الأكاديمي على كامل الجغرافيا الوطنية.
وقد جاء هذا التأسيس نتاج تنسيق رفيع المستوى بين وزارتي الدفاع والتعليم العالي لدمج الخبرة الميدانية بالمعايير العلمية الدولية.
خريطة الصرح الأكاديمي: بناء هرم القيادة الجديد
يضم الهيكل التنظيمي للجامعة منظومة تعليمية شاملة تستهدف كافة مستويات القيادة، حيث تشمل الأكاديمية العسكرية العليا، وتضم في طياتها كلية الدفاع الوطني، وكلية الحرب العليا، وكلية القيادة والأركان؛ والكليات الاختصاصية التي تشمل الكليات الحربية البرية، والجوية، والبحرية؛ والعلوم التكنولوجية والإنسانية عبر كلية العلوم الإنسانية والإدارية، والمعهد العالي للعلوم التطبيقية والتكنولوجيا؛ إلى جانب المعاهد الفنية التي تتكون من مجموعة من المعاهد التقنية العسكرية المتخصصة لضمان الكفاءة الفنية للوحدات. ويعمل هذا البناء على توحيد مسارات الترقي والانتساب بناءً على معايير الكفاءة والانضباط المؤسسي، مما يغلق صفحة التباينات التنظيمية التي خلفتها الحرب.
تحديات دمج الفصائل وصياغة العقيدة الموحدة
تواجه عملية التحول عقبات معقدة، لا سيما فيما يتعلق بتحويل المجموعات المسلحة ذات الخلفيات الأيديولوجية المتباينة إلى جيش نظامي. فالقيادة الجديدة، التي خرجت من رحم معارضة مسلحة شملت فصائل كانت تقاتل إلى جانب هيئة تحرير الشام، تدرك أن التوافقات الأمنية والسياسية تتطلب وقتاً لمعالجة التراكمات الفكرية. ومن هنا، تُعد الجامعة الدفاعية الأداة المعرفية الأهم لخلق مرجعية عسكرية موحدة تنهي عهد التشكيلات المتعددة وتثبت دعائم الاستقرار بعد سقوط النظام السابق في ديسمبر 2024.
الانفتاح الدبلوماسي: باريس بواباً للشرعية الدولية
على الصعيد الخارجي، تشكل الزيارة المرتقبة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق منعطفاً جوهرياً في العلاقات السورية الغربية. وتعد هذه الزيارة، التي أعلنت عنها الرئاسة السورية أمس الأحد، وهي الأولى لزعيم دولة كبرى منذ التغيير السياسي، بمثابة اعتراف واقعي بالسلطة الجديدة ومؤشراً على رغبة أوروبا في استعادة دورها في المشرق العربي لملء الفراغ الذي استغلته قوى إقليمية أخرى.
أجندة الشراكة: الاقتصاد والأمن واللاجئون
لا تقتصر التحركات الفرنسية على البعد الرمزي، بل تحمل أبعاداً استراتيجية ملموسة. إذ يرافق ماكرون وفد من رجال الأعمال والشركات الكبرى المتخصصة في قطاعات الطاقة، والنقل، والبنية التحتية، حيث تنظر باريس إلى إعادة إعمار سوريا كفرصة اقتصادية كبرى. وعلى صعيد الأمن القومي الأوروبي يرتبط الاستقرار السوري في الحسابات الفرنسية مباشرة بملفي مكافحة الإرهاب والحد من الهجرة غير النظامية، حيث تسعى باريس لتعزيز قدرة الدولة السورية على ضبط حدودها وفرض الأمن الداخلي. وفيما يخص قضية اللاجئين، يمثل تحسن الأوضاع الأمنية والاقتصادية مفتاحاً لحل أزمة اللاجئين في أوروبا، من خلال تهيئة ظروف العودة الطوعية والآمنة.
خاتمة التحليل: تداخل الاستقرار بالاعتراف
إن نجاح بناء الجيش الوطني السوري هو الضمانة الفعلية لجذب الاستثمارات الأجنبية، وفي المقابل، يوفر الانفتاح الدبلوماسي والاعتراف الدولي الموارد اللازمة لإتمام عملية الإصلاح المؤسسي. ورغم الإشارات الإيجابية، يظل المسار طويلاً، حيث لا يزال المجتمع الدولي يترقب آليات الإصلاح السياسي النهائي وتوازنات القوى الإقليمية قبل التطبيع الكامل للعلاقات.
خلاصة
تؤسس سوريا لمرحلة جديدة ترتكز على مأسسة القوة العسكرية عبر الجامعة الدفاعية كبديل للفصائلية، توازياً مع استعادة الشرعية الدولية من خلال شراكة استراتيجية واقتصادية مرتقبة مع فرنسا.

