يتناول المحلل السياسي التركي أحمد نسين، نجل الأديب المعروف عزيز نسين، المشهد السياسي في تركيا من منظور تاريخي وبنيوي معقد، حيث يرى أن البلاد تمر بمرحلة من الغليان السياسي والتحولات العميقة التي تتجاوز مجرد الصراعات الحزبية التقليدية، لتصل إلى جوهر بنية الدولة وصراعات الأجنحة داخل مراكز القوى.
جذور التمويل وتشكيل الولاءات السياسية
يستعرض أحمد نسين، في تحليل قدمه عبر صفحته على يوتيوب، ملمحاً من كواليس العمل الحزبي، مشيراً إلى محاولات “شاهين منغيو” التاريخية لتأسيس حزب بديل مناهض لتوجهات كمال قليجدار أوغلو في حزب الشعب الجمهوري. ويوضح نسين أن السعي وراء التمويل من كبار رجال الأعمال، مثل “آيدين دوغان”، كان ممارسة مألوفة وغير معلنة في تركيا حتى قبل ثمانينات القرن المنصرم؛ حيث كانت المجموعات الاقتصادية الكبرى مثل “كوتش” و”سابانجي” و”إجزاجي باشي” تضخ أموالاً تتجاوز الحدود القانونية لدعم الأحزاب السياسية، مع توزيع الدعم بين يمين الوسط واليسار الديمقراطي لضمان مصالحها بغض النظر عن هوية الفائز.
الانقسامات الأيديولوجية داخل حزب الشعب الجمهوري
يرى نسين أن حزب الشعب الجمهوري عانى تاريخياً من صراع “الكتل” أو “التيارات”، وهو ما دفع شخصيات مثل “بولنت أجاويد” لتأسيس حزبه الخاص (حزب اليسار الديمقراطي) هرباً من هذه التجاذبات التي كانت تهدد بالإطاحة به لصالح وجوه مثل “دنيز بايكال”. ويشير المحلل إلى أن هذا الصراع اتخذ أبعاداً هوياتية حادة، تجلت في هجوم “شاهين منغيو” العنيف على “سيزجين تانريكولو” بعد اعتذار الأخير عن “مجزرة ديرسيم” عام 2014 حيث تعرض لها أبناء الطائفة العلوية، مما عكس تياراً داخل الحزب يرفض الاعتراف بالمظالم التاريخية، خاصة تجاه العلويين والأكراد، وهو ما ربطه نسين بالرفض المبطن لقيادة شخص من خلفية “ديرسيمية” مثل قليجدار أوغلو.
ثنائية “الدولة العميقة”: بين الأطلسي والآوراسيي
يطرح أحمد نسين رؤية تحليلية مثيرة مفادها أن تركيا لم تعد تُدار من قبل “دولة عميقة” واحدة كما كان الحال في السابق (والتي كانت توصف بأنها كمالية، أتاتوركية، وموالية للناتو). فمنذ انهيار الاتحاد السوفيتي، تبلورت داخل أجهزة الدولة التركية بنية مزدوجة:
- الجناح الموالي للناتو (NATOcular): وهو الامتداد التقليدي للمؤسسة العسكرية والأمنية المرتبطة بالغرب.
- الجناح الأوراسي (Avrasyacılar): الذي يدفع نحو التقارب مع روسيا والصين وإيران (منظمة شنغهاي)، ويمثله سياسياً في الوقت الحالي ضغوط دولت بهتشلي على أردوغان للابتعاد عن الغرب.
ويعتقد نسين أن قضايا مثل “أرغينكون” و”باليوز” ومحاولة الانقلاب الغامضة في 15 يوليو 2016 لم تكن سوى تجليات لهذا الصدام العنيف بين الدولتين العميقتين. ويذهب في تحليله إلى أبعد من ذلك، مشيراً إلى وجود تخوفات حقيقية داخل أروقة السلطة من وجود “ميزانيتين مستقلتين” للدولة، حيث يسعى الجناح المناهض للناتو لتشكيل كيانه المالي الخاص، ربما من خلال “الأموال السوداء”، لضمان استقلاليته عن النظام المالي التقليدي المرتبط بالغرب.
انعكاس صراع الأجنحة على المعارضة والمستقبل
وفقاً لرؤية أحمد نسين، فإن الانقسام الحالي داخل حزب الشعب الجمهوري بين القيادة الحالية برئاسة “أوزغور أوزيل” والرئيس السابق “كمال قليجدار أوغلو” ليس مجرد تنافس على الزعامة، بل هو انعكاس للصراع بين الجناحين الأطلسي والأوراسي داخل الدولة. ويرى أن التصريحات المتزامنة للرجلين في مجلات مختلفة تعطي انطباعاً بأن أحدهما يمثل التوجه الغربي والآخر يميل للتوجه الأوراسي.
ويحذر نسين من أن الشهرين المقبلين قد يشهدان موجة اعتقالات واسعة النطاق لا تستهدف حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب فحسب، بل تمتد لتطال قيادات في حزب الشعب الجمهوري، كجزء من عملية تصفية الحسابات بين هذه الأجنحة المتصارعة بعد قمة الناتو المرتقبة في أنقرة والانتخابات الأمريكية في نوفمبر.
خلاصة
تستند رؤية أحمد نسين إلى أن تركيا تعيش صراعاً وجودياً بين بنية “أطلسية” تقليدية وأخرى “أوراسيّة” صاعدة، مما حول الأحزاب السياسية، وبشكل أخص حزب الشعب الجمهوري، إلى ساحة خلفية لتصفية حسابات الدولة العميقة. ويرى نسين أن الاستقرار السياسي في تركيا مرهون بمخرجات هذا الصدام الجيوسياسي الداخلي وتداعيات التحولات الدولية الكبرى.

