قبل أيام من استضافة العاصمة التركية أنقرة قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، أطلقت السلطات التركية واحدة من أوسع الحملات الأمنية خلال الأشهر الأخيرة، أسفرت عن توقيف أكثر من مئتي شخص في عمليات متزامنة استهدفت أفراداً تتهمهم الحكومة بالارتباط بتنظيمات مصنفة إرهابية، في خطوة تعكس حجم الاستعدادات الأمنية المصاحبة للحدث الدولي المرتقب.
وأعلن مكتب المدعي العام في أنقرة أن قوات الأمن نفذت سلسلة مداهمات واسعة أسفرت عن توقيف 209 أشخاص، فيما لا يزال 32 آخرون مطلوبين وتواصل الأجهزة الأمنية عمليات البحث عنهم. وتأتي هذه التحركات ضمن خطة أمنية موسعة تهدف إلى تعزيز الإجراءات الوقائية قبيل انعقاد قمة الناتو المقررة يومي السابع والثامن من يوليو/تموز.
استهداف تنظيمات يسارية متطرفة إلى جانب مشتبهين بالانتماء إلى داعش
بحسب المعطيات الرسمية، شملت التحقيقات أشخاصاً يشتبه بصلاتهم بتنظيم داعش، إضافة إلى أعضاء ومناصرين لعدد من التنظيمات اليسارية المتطرفة المحظورة في تركيا.
وأوضحت السلطات أن 185 من الموقوفين يواجهون اتهامات بالانتماء إلى عدة تنظيمات تصنفها أنقرة ضمن قائمة الجماعات الإرهابية، من بينها “جبهة حزب التحرر الشعبي الثوري” (DHKP-C)، وهي جماعة ماركسية مسلحة تبنت في فترات سابقة مسؤولية عدد من الهجمات والعمليات الأمنية داخل تركيا.
وأكدت الجهات الرسمية أن الحملة لم تستهدف تنظيماً واحداً، بل جاءت في إطار عمليات متزامنة ضد عدة شبكات وخلايا تعتبرها الدولة تهديداً أمنياً، وذلك ضمن استراتيجية استباقية تهدف إلى منع أي محاولات محتملة لتعكير أجواء القمة أو استهداف الوفود الأجنبية المشاركة فيها.
حظر شامل للتظاهرات حتى انتهاء القمة
بالتوازي مع الحملة الأمنية، أعلنت ولاية أنقرة فرض حظر كامل على جميع المظاهرات والتجمعات والفعاليات الاحتجاجية داخل العاصمة اعتباراً من الثامن والعشرين من يونيو/حزيران وحتى انتهاء أعمال القمة.
ويمنح هذا القرار السلطات صلاحيات واسعة لضبط المجال العام ومنع أي تحركات جماهيرية قد تراها الأجهزة الأمنية تهديداً للاستقرار خلال فترة انعقاد الاجتماعات الدولية، وهو إجراء اعتادت الحكومة التركية اللجوء إليه خلال المناسبات السياسية والأمنية الكبرى.
قمة مرتقبة تجمع قادة الدول الأعضاء في الحلف
وتستعد أنقرة لاستقبال قادة الدول الاثنتين والثلاثين الأعضاء في حلف الناتو، وسط جدول أعمال يتوقع أن يتناول ملفات الأمن الأوروبي، والحرب في أوكرانيا، ومستقبل الإنفاق الدفاعي للحلف، إضافة إلى التحديات الأمنية المتزايدة في الشرق الأوسط.
كما يُنتظر أن يشارك في القمة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى جانب عدد من كبار القادة والمسؤولين الغربيين، ما يرفع من مستوى الحساسية الأمنية المحيطة بالحدث ويزيد من أهمية التدابير الاستثنائية التي تتخذها السلطات التركية.
سياق سياسي وأمني أوسع
تأتي هذه الاعتقالات في وقت تشهد فيه تركيا تصاعداً ملحوظاً في الإجراءات الأمنية المرتبطة بالملفات الداخلية والخارجية على حد سواء. فمنذ سنوات تعتمد الحكومة التركية سياسة تقوم على تنفيذ عمليات استباقية واسعة ضد الجماعات التي تصنفها تهديداً للأمن القومي، سواء كانت تنظيمات جهادية أو جماعات يسارية مسلحة أو شبكات مرتبطة بحركات معارضة تتهمها أنقرة بالإرهاب.
غير أن توقيت الحملة الحالية يكتسب أهمية خاصة بسبب ارتباطه المباشر بقمة الناتو، إذ تسعى السلطات إلى إظهار قدرتها على توفير بيئة آمنة لاستضافة أحد أهم الاجتماعات الدولية على أراضيها، وإبراز دورها كشريك أمني فاعل داخل الحلف.
اتهامات غربية سابقة لأنقرة وعلاقة الاعتقالات بالرسائل السياسية
وعلى امتداد السنوات الماضية، واجهت حكومة الرئيس رجب طيب أردوغان انتقادات واتهامات من دوائر سياسية وإعلامية غربية تتعلق بطريقة تعاملها مع ملف تنظيم داعش خلال سنوات الحرب السورية. وقد تحدثت تقارير ودراسات غربية مراراً عن اتهامات لأنقرة بغض الطرف في مراحل معينة عن تحركات عناصر مرتبطة بالتنظيم أو عن شبكات دعم لوجستي ومالية عبر الحدود السورية التركية، وهي اتهامات نفتها الحكومة التركية باستمرار ووصفتها بأنها ادعاءات ذات دوافع سياسية.
وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن الحملة الأمنية الأخيرة لا تحمل بعداً أمنياً فقط، بل تتضمن أيضاً رسالة سياسية موجهة إلى الحلفاء الغربيين، مفادها أن تركيا مستمرة في مواجهة تنظيم داعش وبقية التنظيمات المسلحة المصنفة إرهابية، وأنها شريك أساسي في جهود مكافحة الإرهاب الإقليمية والدولية. ومن شأن إبراز عمليات التوقيف الواسعة قبيل قمة الناتو أن يساعد أنقرة على مواجهة الانتقادات الغربية المتكررة بشأن سجلها في هذا الملف، وإظهار التزامها بالتعاون الأمني مع شركائها داخل الحلف.
دلالات المرحلة المقبلة
تكشف التطورات الأخيرة عن أن الأمن سيكون العنوان الأبرز للقمة المرتقبة في أنقرة، ليس فقط على مستوى الحماية الميدانية للوفود المشاركة، وإنما أيضاً على مستوى الرسائل السياسية التي تسعى تركيا إلى إيصالها بشأن دورها داخل المنظومة الأمنية الغربية. كما تعكس الحملة الأمنية حجم القلق الرسمي من احتمال استغلال التنظيمات المتشددة أو الجماعات الراديكالية للحدث الدولي الكبير لتنفيذ أنشطة أو تحركات من شأنها إحراج الدولة المضيفة أو التأثير على صورة القمة.
خلاصة
تشير الاعتقالات الجماعية وحظر التظاهرات في أنقرة إلى استعدادات أمنية استثنائية تسبق قمة الناتو، في ظل مساعٍ تركية لضمان أمن الحدث وإظهار قدرتها على مكافحة التنظيمات المصنفة إرهابية.
كما تحمل هذه الإجراءات أبعاداً سياسية تتجاوز الجانب الأمني، إذ تبدو مرتبطة أيضاً بمحاولة أنقرة الرد عملياً على الاتهامات الغربية السابقة المتعلقة بعلاقتها المفترضة بشبكات وتنظيمات مرتبطة بتنظيم داعش.

