تُظهر البيانات الإحصائية الأخيرة لعام 2025 واقعاً اقتصادياً ضاغطاً يواجه الفئات العمرية الشابة في تركيا، حيث تتجاوز معدلات خطر الفقر والإقصاء الاجتماعي فيها المعايير المعتمدة في دول الاتحاد الأوروبي.
هذا المشهد المتأزم يعكس تضافر عوامل اقتصادية واجتماعية أدت إلى وضع ما يقرب من ثلاثة من كل عشرة شباب أتراك تحت طائلة العوز أو التهميش.
البنية الإحصائية لمخاطر العوز الشبابي
تكشف أرقام مؤسسة “يوروستات” أن نسبة الشباب الأتراك الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عاماً ويواجهون خطر الفقر أو الإقصاء الاجتماعي قد بلغت 28.2%، وهي نسبة تتفوق بوضوح على متوسط الاتحاد الأوروبي البالغ 24.2%، ما يعني أن ربع الشباب في القارة العجوز يعانون من هذه المخاطر مقابل ثلث تقريباً في الحالة التركية.
ولا تقتصر الأزمة على الفقر النسبي المرتبط بالدخل، بل تمتد لتشمل الحرمان المادي والاجتماعي الشديد، حيث يعاني 10.4% من شباب تركيا من عجز حاد في تلبية الاحتياجات الأساسية، وهي ضعف النسبة المسجلة في الاتحاد الأوروبي تقريباً والتي تقف عند 5.8%.
أبعاد مؤشر (AROPE) وتجلياته المعيشية
يستند تقييم هذه المخاطر إلى مؤشر “خطر الفقر أو الإقصاء الاجتماعي” الذي يرصد ثلاث مشكلات جوهرية: انخفاض الدخل المتاح إلى ما دون 60% من متوسط الدخل القومي، والحرمان المادي والاجتماعي الحاد، والعيش في أسر يقل فيها نشاط البالغين المهني إلى أدنى مستوياته.
ويُعرّف الحرمان الشديد بعدم القدرة على تأمين سبعة عناصر من أصل ثلاثة عشر مطلباً أساسياً لجودة الحياة، تشمل القدرة على تدفئة المنزل، وتغطية النفقات الطارئة، وتناول البروتينات بانتظام، واقتناء ملابس غير مستهلكة، فضلاً عن المشاركة في الأنشطة الترفيهية أو تخصيص مبالغ مالية بسيطة للاحتياجات الشخصية الأسبوعية.
التداعيات التعليمية والمهنية للأزمة
تلقي الأزمة الاقتصادية بظلال ثقيلة على قطاع التعليم والاندماج المهني، حيث تشير تقارير نقابية إلى أن الفقر المدقع في مناطق مثل أضنة يدفع الطلاب لمغادرة مقاعد الدراسة والانخراط المبكر في سوق العمل، مع رصد حالات لطلاب يرتادون مدارسهم وهم يعانون من الجوع، أو متدربين مهنيين يعملون لساعات طويلة في ظروف شاقة.
وفي سياق متصل، برزت ظاهرة “الشباب خارج منظومة التعليم والعمل والتدريب” (NEET) كأحد أخطر التحديات، إذ تضع الدراسات تركيا ضمن أعلى المعدلات في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وأوروبا، مع وجود ثلث الشباب العاطلين عن العمل في حالة انقطاع تام عن أي مسار تعليمي أو تدريبي.
الانسداد الأفقي ونزعة الهجرة نحو الخارج
أدت هذه الظروف إلى حالة من اليأس وفقدان الرضا عن الحياة بين الأجيال الصاعدة، حيث يعاني الشباب من ضعف آفاق التوظيف وانسداد مسارات الترقي الاجتماعي. وبناءً على دراسات ميدانية من جامعة إسطنبول بيلجي، فإن 67% من الشباب المستطلعة آراؤهم يطمحون للانتقال إلى الخارج بحثاً عن فرص عمل أفضل، بينما يرى 36% منهم بوضوح تام انعدام وجود أي مستقبل لهم داخل حدود بلادهم في ظل التدهور الاقتصادي الراهن.
المقارنة السياقية والموضع التركي أوروبياً
رغم قسوة الأرقام التركية، إلا أنها تأتي ضمن سياق أوروبي متباين؛ ففي حين تتجاوز معدلات الإقصاء الشبابي في رومانيا (30.8%) والدنمارك وفنلندا (30.7%) واليونان (30%) الأرقام المسجلة في تركيا، إلا أن الفجوة تتسع عند النظر إلى الحرمان المادي والاجتماعي الشديد، حيث تنخفض هذه النسبة إلى ما دون 3% في عشر دول أوروبية منها النمسا وهولندا والبرتغال.
وعلى مستوى السكان بشكل عام، سجلت تركيا معدل فقر عام بنسبة 23.4%، وهو ما يضعها في مرتبة أعلى من دول مثل ليتوانيا ولاتفيا وبلغاريا، مما يؤكد أن الأزمة هيكلية ولا تقتصر على الفئات الشابة فقط بل تشمل المجتمع التركي برمته.
خلاصة
تواجه تركيا أزمة مركبة من الفقر والإقصاء الاجتماعي تضرب عمق جيلها الشاب، مما أدى إلى تآكل فرص الاندماج المهني وتصاعد الرغبة في الهجرة كحل للهروب من واقع معيشي متردٍ. تتجاوز معدلات العوز المادي في تركيا نظيراتها الأوروبية، حيث يعجز عُشر الشباب عن تأمين أساسيات الحياة، مما يهدد الاستقرار الاجتماعي والنمو المستقبلي للبلاد.

