أصدر البرلمان الأوروبي أمس الأربعاء تقريره لعام ٢٠٢٥ بشأن تركيا، والذي جاء بلهجة حادة وغير مسبوقة، واضعاً ملف حقوق الإنسان وتراجع الديمقراطية تحت مجهر المساءلة المباشرة.
يبرز في هذا التقرير، الذي حظي بتأييد الغالبية العظمى، تحول جوهري يتمثل في تحميل مسؤولية تآكل سيادة القانون لشخصيات بعينها، وعلى رأسها وزير العدل الحالي آكين غورليك، مع المطالبة بفرض عقوبات ضده لدوره -حين كان مدعياً عاماً- في تفريغ القضاء من محتواه.
البنية المؤسسية الأوروبية وصناعة القرار
لفهم ثقل هذا التقرير، تجب التفرقة بين أجهزة الاتحاد الأوروبي؛ فالبرلمان الأوروبي يمثل السلطة التشريعية التي ينتخبها مواطنو ٢٧ دولة، وتقاريره غالباً ما تكون ذات صبغة توصوية. ومع ذلك، فإن هذه التقارير تعكس الرأي العام الشعبي الأوروبي، وهو ما يفرض ضغوطاً غير مباشرة على “المجلس الأوروبي” الذي يمثل السلطة التنفيذية (رؤساء الدول والحكومات) وأصحاب القرارات الملزمة. إن عجز القادة عن تجاهل إرادة شعوبهم الممثلة في البرلمان يجعل من هذا التقرير أداة ضغط سياسي قوية، خاصة حين يتم عزل اسم مسؤول معين مثل غورليك واعتباره العقبة الرئيسية أمام الديمقراطية.
التحول من “الواقعية” إلى “الليبرالية”: لماذا الآن؟
شهدت السياسة الخارجية الأوروبية خلال العقد الماضي صراعاً بين مدرستين؛ المدرسة الواقعية التي تعلي شأن المصالح القومية والأمنية فوق القيم، والمدرسة الليبرالية التي تؤمن بأن السلام العالمي يتحقق من خلال نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان. عقب أزمات “الربيع العربي” وتدفق المهاجرين، والتهديدات الروسية منذ ٢٠١٤، وجائحة كورونا، انكفأت أوروبا على واقعيتها. في تلك المرحلة، تحولت تركيا في المنظور الأوروبي إلى “سجن للمهاجرين”؛ حيث غضت أوروبا الطرف عن انتهاكات حقوق الإنسان مقابل إبقاء اللاجئين بعيداً عن حدودها، بل وقامت بدعم النظام التركي مالياً وسياسياً لتأمين مصالحها الاستراتيجية.
أما اليوم، فثمة مؤشرات على “صحوة ديمقراطية” أو “موجة ديمقراطية جديدة” بدأت تلوح في الأفق الأوروبي. ومع استقرار أزمة المهاجرين نسبياً، وبدء انحسار نفوذ الأحزاب اليمينية المتطرفة في بعض الدول مثل المجر، عادت أوروبا لتتذكر قيمها الأساسية. هذا التحول يعني أن “الضرورة الاستراتيجية” لتركيا كحائط صد بدأت تتراجع، مما أتاح المجال للعودة إلى سياسة “القيم” ومطالبة أنقرة بإصلاحات حقيقية.
مستقبل آكين غورليك ومعضلة السلطة التركية
يواجه الرئيس التركي حالياً معضلة معقدة؛ فهو من جهة يحتاج إلى دعم أوروبا اقتصادياً، ومن جهة أخرى يرى في آكين غورليك أداة محورية لضمان بقائه السياسي عبر هندسة القضاء لمواجهة الخصوم، مثل أكرم إمام أوغلو وقيادات حزب الشعب الجمهوري. يشير التقرير الأوروبي بوضوح إلى أن السلطة تستخدم القضاء لتصفية المنافسين سياسياً، وهو ما ينزع الشرعية عن العملية الديمقراطية والانتخابية في تركيا.
تشير القراءة التحليلية للسياق الراهن إلى أن بقاء غورليك في منصبه أصبح يشكل عبئاً سياسياً متزايداً. ومن المتوقع أن تشهد المرحلة القادمة (خلال ٥ إلى ٦ أشهر) تسارعاً في العمليات القضائية ضد المعارضة لإنجاز “المهام المطلوبة” من غورليك، ليعقب ذلك إقالته من منصبه كخطوة تكتيكية من قبل السلطة لاسترضاء الجانب الأوروبي وامتصاص الضغوط الدولية، وتصوير الأمر كأنه استجابة لمطالب الإصلاح.
التحليل السياقي: تركيا ما بعد المرحلة الانتقالية
إن تراجع الأهمية الاستراتيجية لتركيا في ملفات مثل الحرب الأوكرانية (التي تقترب من نهايات معينة) وهدوء جبهات الربيع العربي، يجعل من الصعب على أنقرة الاستمرار في مقايضة ملف حقوق الإنسان بالمصالح الأمنية. أوروبا بدأت تستعد بالفعل لمرحلة “تركيا بلا أردوغان”، وهذا التقرير هو أولى لبنات بناء علاقة جديدة تقوم على المعايير القانونية لا الصفقات السياسية العابرة.
خلاصة
يمثل تقرير البرلمان الأوروبي ٢٠٢٥ تحولاً من الصمت الاستراتيجي إلى المواجهة القيمية، واضعاً مستقبل وزير العدل آكين غورليك كاختبار لمدى حاجة أنقرة للدعم الأوروبي مقابل رغبتها في تصفية المعارضة داخلياً.

