نشرت شركة “ماك” (MAK) لاستطلاعات الرأي أحدث دراساتها الميدانية، حيث تسلط الضوء على واقع الشباب التركي المعاصر وتكشف عن تحولات بنيوية في الوعي الاجتماعي والسياسي التركي، مقارنةً ببيانات تعود إلى عقدين من الزمن.
التحول الديموغرافي وانحسار فكرة الأسرة التقليدية
في تقييمه لنتائج الدراسة على موقع يوتيوب، يرصد مدير شركة “ماك” محمد علي كولات تحولاً جذرياً في نظرة الشباب التركي لمؤسسة الزواج والإنجاب؛ فبينما كانت نتائج دراسة أجريت في 2004 تشير إلى رغبة جميع المشاركين (بنسبة مئة بالمئة) في تكوين أسرة وإنجاب أطفال، أظهرت بيانات عام 2024 أن نحو عشرة بالمئة من الشباب لم يعودوا يرغبون في الزواج، كما أن نسبة مماثلة ممن يخططون للزواج لا يرغبون في الإنجاب مطلقاً. ويشير كولات إلى اختفاء الرغبة في تكوين أسر كبيرة تماماً، حيث تراجعت الطموحات من إنجاب ستة أو ثمانية أطفال إلى طفل واحد أو اثنين فقط، وهو ما يفسره ببروز نمط “الحياة الفردية” وتغير الانضباط الاستهلاكي، الذي انعكس حتى على الأنماط المعمارية من خلال هيمنة الشقق الصغيرة (غرفة وصالة) على حساب المنازل العائلية الكبيرة.
ظاهرة الهجرة والاغتراب: البحث عن العدالة والرفاه
يعد الرقم الأكثر إثارة للقلق في أبحاث كولات هو أن %64 من الشباب التركي يفكرون في مغادرة البلاد والاستقرار في الخارج بصفة دائمة، وهي زيادة ملحوظة مقارنة بنسبة %56 قبل خمس سنوات. ويوضح كولات أن هذه الرغبة ليست مجرد بحث عن التعليم، بل هي سعي وراء “مستقبل أفضل” و”حياة أكثر هدوءاً” و”عدالة ناجزة”. ويبرز في هذا السياق توجه الشباب نحو الدول الأوروبية (بنسبة %43) وأمريكا وكندا، في حين تنعدم الرغبة تقريباً في الهجرة إلى دول ما يعرف بـ”جغرافيا القلب” أو الدول الإسلامية، مما يشير إلى أزمة في النموذج الجاذب الذي تقدمه تلك المناطق مقارنة بالدول الغربية.
الهوية والسياسة: صعود “الأتاتوركية المدنية” وخيبة الأمل في الأحزاب
فيما يخص تعريف الذات، يرى محمد علي كولات أن الشباب التركي بات يبتعد عن التصنيفات الحادة، حيث يفضل نحو %48 تعريف أنفسهم بناءً على السياق والموقف بدلاً من الالتزام بقالب “عصري” أو “تقليدي” مطلق. ويلفت كولات الانتباه إلى تصدر “الأتاتوركية” كأهم تعريف للهوية لدى الشباب، لكنه يحلل ذلك باعتبارها أصبحت “مفهوماً مدنياً” يمثل الحقوق والحريات والدولة المدنية، بعيداً عن صبغتها الأيديولوجية العسكرية القديمة. وعلى صعيد الممارسة السياسية، يؤكد كولات أن الشباب مهتمون بالسياسة بنسبة %75، لكنهم يعانون من “خيبة أمل” تجاه جميع الأحزاب السياسية في تركيا، حيث يرى نحو %78 منهم أن هذه الأحزاب لا تملك سياسات كافية لحل مشكلاتهم.
التفكك الاجتماعي والأزمات السلوكية المستجدة
يحذر محمد علي كولات من “تآكل اجتماعي” سريع يظهر في زيادة معدلات الطلاق والعيش المنفرد، وتراجع مدة الحوار داخل الأسرة الواحدة إلى ما بين خمس إلى سبع دقائق يومياً. ويشير بأسى إلى تحول القيم؛ حيث تصدر “المال” قائمة متطلبات السعادة لدى الشباب، متفوقاً على “الحب” والقيم الروحية، وهو ما يراه نتيجة لغياب النماذج المرجعية وتفشي المحسوبية التي يعتقد %75 من الشباب أنها المعيار الحقيقي للتوظيف بدلاً من الكفاءة. ومن الناحية الأمنية والاجتماعية، يكشف كولات عن صدمته من بروز “القمار الإلكتروني” و”تعاطي المخدرات” كأهم ثلاث مشكلات في مدن الأناضول المحافظة تاريخياً، مما يستوجب سياسات تتجاوز التدابير الأمنية الصرفة.
الواقع النفسي وظاهرة “شباب المنزل“
يشخص كولات حالة من التشاؤم العام، حيث يعاني نحو %82 من الشباب من مشاعر الحزن واليأس بشكل دوري أو مستمر، مما أدى إلى طفرة في استخدام الأدوية النفسية ومضادات الاكتئاب. كما يبرز مصطلح “شباب المنزل” لوصف الخريجين الذين يحملون شهادات عليا لكنهم يقبعون في منازلهم بلا عمل، يراقبون من خلال شاشاتهم أنماط الحياة العالمية، مما يعمق شعورهم بالاغتراب وعدم الرضا عن الواقع المحلي الذي يفتقر إلى تكافؤ الفرص.
خلاصة الدراسة
تعاني الأجيال الشابة في تركيا من أزمة ثقة حادة في المؤسسات السياسية والاجتماعية، حيث تتزايد الرغبة في الهجرة بحثاً عن العدالة والرفاه المادي في ظل تحولات قيمية تجعل المال معياراً أساسياً للسعادة والوجاهة.

