تناول التحليل الذي قدمه المحلل السياسي التركي سعيد صفاء، عبر صفحته على يوتيوب، مشهداً معقداً داخل أروقة السلطة في أنقرة، حيث تتقاطع المخاوف الأمنية من “حراك الشارع” مع صراعات خفية بين أجنحة النظام، وتدخلات استخباراتية تعيد صياغة أدوار المعارضة، وصولاً إلى طموحات خلافة أردوغان التي تُطبخ بين لندن وسانت بطرسبرغ.
فوبيا الشارع وسيناريوهات القمع الموازي
يرى سعيد صفاء أن التصريحات الأخيرة لزعيم حزب الشعب الجمهوري، أوزغور أوزيل، والتي لوّح فيها ببدء ما يشبه “العصيان” أو “حرب الاستقلال” الثانية، قد أثارت ذعراً حقيقياً داخل القصر الرئاسي. هذا القلق لم يتوقف عند حدود التصريحات، بل دفع بمستشاري أردوغان، وعلى رأسهم محمد أوتشوم، إلى عقد اجتماعات مكثفة لدراسة كيفية إجهاض أي حراك شعبي قد يحاكي أحداث “غيزي بارك” الذي اندلع في 2013 حيث لا تزال آثارها العميقة سارية في الحياة السياسية والمدنية.
ويكشف صفاء عن وجود خطوط دفاعية غير رسمية أعدها النظام لمواجهة أي زحف نحو القصر أو المقر العام لحزب العدالة والتنمية، وتتمثل هذه الخطوط في استحضار بنية “الميليشيات” المسلحة وعناصر الجريمة المنظمة التي تقع تحت سيطرة غير رسمية لأجهزة الاستخبارات. ويشير المحلل إلى أن هذه القوى، التي تضم في صفوفها نسخة “محدثة” من تنظيم “أكينجيلار” (المفغيرون/الغزاة) التاريخي ذي التوجه الإسلامي، تدار فعلياً من قبل صهر بلال أردوغان، وهي جاهزة للتدخل بلباس مدني تماماً، كما حدث أثناء أحداث محاولة الانقلاب الغامضة في 2016
تحييد المعارضة وصناعة “رجل الدولة” الضرورة
في قراءة مغايرة للدور الحالي لكمال كليجدار أوغلو، يوضح سعيد صفاء أن الأخير لم يعد يمارس السياسة بمفهومها الحزبي التقليدي، بل بات يتحرك بوصفه “مؤتمراً” على ما يسمى “عقل الدولة”. ووفقاً للمحلل، فقد تعرض كليجدار أوغلو لعملية استخباراتية معقدة شملت إطلاعه على ملفات وتسجيلات حساسة، مما أقنعه بضرورة لعب دور “رجل الدولة” الذي يحمي الكيان من اختراقات استخباراتية دولية يزعم النظام وجودها داخل فريق أوزغور أوزيل.
هذا التحول يفسر، بحسب صفاء، التناغم بين تحذيرات كليجدار أوغلو ودولت بهجلي من نزول الجماهير إلى الشارع؛ فبينما يتحدث كليجدار أوغلو من منطلق “الخوف” على الدولة، يطلق بهجلي تهديدات صريحة بأن “الشوارع ستتلطخ بالدماء”. ويؤكد المحلل أن هذه التهديدات ليست عفوية، بل هي رسالة مقصودة تهدف إلى تذكير الأتراك بالفترة المظلمة بين يونيو ونوفمبر من عام 2015، وما شهدته من تفجيرات واغتيالات سياسية نفذها حزب العمال الكردستاني وتنظيم داعش، كأداة لترهيب الشارع وإجباره على الانكفاء.
وكان تقرير سري لوحدة الاستخبارات التابعة للاتحاد الأوروبي (مركز استخبارات الاتحاد الأوروبي – EU INTCEN)، أشار إلى أن التفجيرين الانتحاريين في العاصمة التركية أنقرة بتاريخ 10 أكتوبر 2015 ربما تم تنفيذهما بأوامر من حزب العدالة والتنمية الحاكم الذي يتزعمه رجب طيب أردوغان.
السباق نحو الخلافة: ظل لندن وبريق سانت بطرسبرغ
على الصعيد الدولي، يحلل سعيد صفاء زيارة بلال أردوغان المفاجئة إلى روسيا بوصفها رداً على التقارب البريطاني مع وزير الخارجية هاكان فيدان. فبينما ترى الدوائر المالية والدبلوماسية في لندن أن فيدان هو الأنسب لقيادة تركيا في مرحلة ما بعد أردوغان، تتحرك موسكو لدعم أوراق أخرى، من بينها بلال أردوغان.
ويكشف صفاء عن أبعاد اقتصادية عميقة لهذه الزيارة، حيث يدير فريق بلال أردوغان قطاعات حيوية تشمل الغذاء والمجوهرات، والأهم من ذلك، منظومة “العملات الرقمية” التي استُخدمت، حسب المحلل، لحماية وتبييض أموال الأوليغارشية الروسية الملاحقة بالعقوبات الدولية. والمفارقة الصارخة التي يطرحها صفاء هي أن بلال أردوغان الذي يرفع شعارات نصرة غزة فوق جسر “غالاتا”، يشارك من خلال منصات العملات الرقمية في صفقات مليارية مع رجال أعمال يهود مرتبطين بصناعات الدفاع الإسرائيلية ونتنياهو، على حد قوله.
خلاصة
تستعد السلطة في تركيا لمواجهة أي حراك شعبي بسيناريوهات أمنية دموية تعيد إنتاج الفوضى المنظمة، بينما تتسارع وتيرة الصراع على وراثة أردوغان بين أجنحة محلية مدعومة بقوى دولية متصارعة. يخوض النظام التركي حرباً على جبهتين؛ قمع الداخل عبر الترهيب بـ “العمليات السوداء”، وتأمين المستقبل المالي والسياسي عبر تحالفات عابرة للحدود تمزج بين غسل الأموال والعمل الاستخباراتي.

