تستعد الساحة السياسية في تركيا لتصعيد جديد تقوده القوى الكردية، مع إعلان حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب تنظيم سلسلة فعاليات جماهيرية للمطالبة بالإفراج عن عبد الله أوجلان، مؤسس حزب العمال الكردستاني، وذلك في توقيت يتزامن مع تعثر مسار التسوية السياسية الرامي إلى إنهاء الصراع المسلح الممتد منذ عقود.
ويأتي هذا التحرك في ظل عودة ملف أوجلان إلى صدارة النقاش السياسي والقانوني، بوصفه أحد المفاتيح المحتملة لإعادة إحياء عملية السلام بين الدولة التركية والحركة الكردية.
خريطة التحركات الميدانية وتوسيع نطاق الحملة
بحسب ما أعلنه الحزب، ستُنظم التجمعات في مدن ذات ثقل كردي وسياسي، حيث تنطلق الفعاليات في فان ومرسين، قبل أن تمتد إلى ديار بكر وإسطنبول، في محاولة لإضفاء بعد وطني أوسع على الحملة.
وقد تم الإعلان عن هذه الخطوات خلال فعالية سياسية في ديار بكر، بمشاركة قيادات بارزة من الحزب وحزب المناطق الديمقراطية، إلى جانب نواب ومسؤولين محليين، ما يعكس تنسيقاً سياسياً بين أبرز مكونات التيار الكردي في تركيا.
وكان من المقرر أن تبدأ الحملة بتجمع واحد مطلع العام، إلا أن الظروف الجوية القاسية، تلاها حظر رسمي على التجمعات بدعوى الحفاظ على الأمن، أدت إلى تأجيلها مرتين، قبل أن تعود الآن بصيغة أكثر اتساعاً وانتشاراً.
أوجلان في قلب معادلة السلام
تطرح القوى المنظمة لهذه التحركات الإفراج عن أوجلان باعتباره خطوة ضرورية لدفع العملية السياسية، خاصة في ظل اعتباره أحد الفاعلين الرئيسيين في المبادرة الحالية.
وقد تعزز هذا الطرح بعد الرسالة التي أصدرها أوجلان في فبراير 2025، والتي دعا فيها حزب العمال الكردستاني إلى إلقاء السلاح وإنهاء العمل المسلح، وهي الدعوة التي استجاب لها التنظيم لاحقاً بإعلان حل نفسه، وتنفيذ خطوات رمزية من بينها إحراق مجموعة من عناصره أسلحتهم في شمال العراق.
البعد الدولي: ضغوط أوروبية متزايدة
على الصعيد الدولي، عاد ملف أوجلان إلى الواجهة عبر رسالة موقعة من 82 حائزاً على جائزة نوبل، موجهة إلى لجنة وزراء مجلس أوروبا، تطالب بتنفيذ حكم المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان الصادر عام 2014.
ويركز هذا الحكم على مبدأ “الحق في الأمل”، الذي يقتضي توفير آلية قانونية تتيح مراجعة أحكام السجن المؤبد المشدد، بما يمنح السجناء إمكانية واقعية للإفراج المشروط، استناداً إلى معايير مثل إعادة التأهيل.
ورغم أن المحكمة لم تطالب بالإفراج الفوري عن أوجلان، إلا أنها اعتبرت أن استمرار احتجازه دون أي أفق قانوني للمراجعة يمثل انتهاكاً للاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.
وفي هذا السياق، أكدت لجنة وزراء مجلس أوروبا في تقييم حديث أن تركيا لم تتخذ بعد الإجراءات التشريعية المطلوبة، مطالبة بإحراز تقدم ملموس قبل نهاية يونيو 2026.
تعقيدات المسار التفاوضي
رغم الخطوات التي أُعلن عنها، لا تزال المبادرة السياسية تواجه عقبات جوهرية، أبرزها الخلاف حول تسلسل الإجراءات بين نزع السلاح والإصلاحات القانونية.
فالحكومة التركية تشدد على ضرورة التحقق الكامل من تخلي حزب العمال الكردستاني عن السلاح قبل الانتقال إلى أي خطوات سياسية أو قانونية أوسع.
في المقابل، ترى القوى الكردية أن أي تقدم حقيقي يتطلب ضمانات قانونية واضحة، وتحسين ظروف احتجاز أوجلان، باعتبار ذلك جزءاً من بناء الثقة.
وقد انعكس هذا التباين على وتيرة التقدم، حيث شهدت المبادرة تباطؤاً ملحوظاً رغم الزخم الأولي الذي رافق إطلاقها.
أبعاد تاريخية واستراتيجية للصراع
يمتد الصراع بين الدولة التركية وحزب العمال الكردستاني إلى عام 1984، وقد خلّف أكثر من أربعين ألف قتيل، إضافة إلى تداعيات إقليمية امتدت إلى العراق وسوريا.
وفي هذا الإطار، لا يُنظر إلى ملف أوجلان باعتباره قضية فردية، بل كعنصر مركزي في معادلة أوسع تتعلق بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمكون الكردي، ومستقبل التوازنات الداخلية في تركيا.
بين الفرصة والمخاطر
تعكس التحركات الأخيرة محاولة لإعادة إدراج المسار السياسي في صدارة المشهد، مستفيدة من التحولات التي شهدها موقف حزب العمال الكردستاني، ومن الضغوط الدولية المتزايدة.
غير أن نجاح هذه الجهود يبقى رهناً بقدرة الأطراف على تجاوز معضلة الثقة، والتوصل إلى صيغة توازن بين المتطلبات الأمنية للدولة، والمطالب السياسية والقانونية للأكراد.
كما أن إدخال ملف أوجلان إلى الواجهة مجدداً قد يحمل فرصاً لإحياء العملية السياسية، لكنه في الوقت ذاته يثير حساسيات داخلية، خاصة في ظل الانقسام السياسي الحاد داخل تركيا.
خلاصة
يعكس تصاعد المطالب بالإفراج عن أوجلان محاولة لإعادة تنشيط مسار التسوية السياسية، مستندة إلى تحولات ميدانية وضغوط دولية. غير أن تعقيدات التوازن بين الأمن والإصلاح القانوني تظل العامل الحاسم في تحديد مستقبل هذه المبادرة.

