بدأ وزير الخارجية التركي هاكان فيدان اليوم زيارة رسمية إلى سنغافورة، حيث يجري سلسلة من اللقاءات رفيعة المستوى تركز على التجارة، والتعاون الدفاعي، وقضايا الأمن الإقليمي.
وتأتي الزيارة في سياق تنامي الاهتمام التركي بمنطقة آسيا والمحيط الهادئ، وما تحمله من فرص اقتصادية وتحديات أمنية متشابكة.
ومن المنتظر أن يستقبله رئيس الوزراء السنغافوري لورنس وونغ، في أول زيارة رسمية لفيدان إلى الدولة المدينة، ما يعكس أهمية هذه المحطة في مسار العلاقات الثنائية.
لقاءات سياسية وأمنية رفيعة
يتضمن برنامج الزيارة اجتماعات مع وزير الخارجية فيفيان بالاكريشنان، إضافة إلى وزير الشؤون الداخلية والوزير المنسق للأمن القومي كيه شانموغام، وهو ما يشير إلى الطابع الشامل للمباحثات التي تجمع بين البعد الدبلوماسي والأمني.
كما يُرتقب أن يلقي فيدان كلمة ضمن “محاضرات رافلز” التي ينظمها المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، في خطوة تعكس سعي أنقرة لعرض رؤيتها الاستراتيجية أمام دوائر الفكر وصنع القرار في آسيا.
الاقتصاد والتجارة في صدارة الأجندة
تشكل العلاقات الاقتصادية محوراً رئيسياً في الزيارة، خاصة في ظل اتفاقية التجارة الحرة الموقعة بين البلدين عام 2015، والتي دخلت حيز التنفيذ في 2017. وتُعد هذه الاتفاقية من أكثر الاتفاقيات شمولاً لتركيا، إذ تغطي مجالات السلع، والخدمات، والاستثمار، والمشتريات الحكومية.
وقد بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 1.07 مليار دولار في عام 2025، فيما وصلت الاستثمارات السنغافورية في تركيا إلى نحو 11 مليار دولار منذ عام 2002، منها مليار دولار استثمارات مباشرة، وعشرة مليارات دولار استثمارات في المحافظ المالية.
توسيع التعاون في الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا
تولي أنقرة أهمية متزايدة لتطوير التعاون في مجال الصناعات الدفاعية مع سنغافورة، خاصة في ظل التحولات الأمنية المتسارعة في آسيا والمناطق المحيطة. ويُتوقع أن تشمل المحادثات أيضاً مجالات التكنولوجيا المتقدمة، مثل الطاقة المتجددة، والمركبات الكهربائية، وأشباه الموصلات، والذكاء الاصطناعي، والتحول الرقمي، والتكنولوجيا المالية، إلى جانب الصناعات الغذائية المتوافقة مع المعايير الإسلامية.
موقع جيوسياسي ودور في أمن الطاقة
تشدد تركيا على الأهمية الاستراتيجية لكل من أنقرة وسنغافورة باعتبارهما نقطتين محوريتين على طرق التجارة والطاقة العالمية. ومن المنتظر أن يؤكد فيدان خلال الزيارة على إمكانية توظيف هذا الموقع الجغرافي لتعزيز أمن الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية.
التنسيق في المنظمات الدولية
تشمل المباحثات أيضاً تعزيز التنسيق في الأطر متعددة الأطراف، مثل الأمم المتحدة، ومجموعة العشرين، ورابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان). وكانت تركيا قد أصبحت شريك حوار قطاعي مع “آسيان” في عام 2017، وتسعى حالياً إلى ترقية هذا الوضع إلى شريك حوار كامل، بما يعزز حضورها المؤسسي في المنطقة.
ملفات إقليمية ودولية على الطاولة
لن تقتصر المحادثات على العلاقات الثنائية، بل ستمتد إلى عدد من القضايا الدولية الحساسة، من بينها الحرب الروسية الأوكرانية، والوضع في غزة، والتوترات المرتبطة بإيران، وأمن مضيق هرمز، والملف السوري، إلى جانب النزاعات في بحر الصين الجنوبي.
دلالات
تعكس هذه الزيارة تحوّلاً تدريجياً في السياسة الخارجية التركية نحو تنويع الشراكات وتقليل الاعتماد على المحاور التقليدية. فالتقارب مع سنغافورة، بوصفها مركزاً مالياً وتكنولوجياً متقدماً، يتيح لأنقرة فرصاً للاندماج في سلاسل القيمة الآسيوية، خصوصاً في القطاعات عالية التقنية.
في المقابل، تسعى تركيا إلى توظيف خبراتها في الصناعات الدفاعية وموقعها الجغرافي لتعزيز مكانتها كشريك أمني واقتصادي في آن واحد. كما أن الانخراط في قضايا آسيا الأمنية يعكس إدراكاً متزايداً بأن موازين القوى العالمية باتت تتشكل بشكل متسارع في هذه المنطقة.
خلاصة
زيارة فيدان إلى سنغافورة تمثل خطوة استراتيجية لتعميق الشراكة الاقتصادية والأمنية والانخراط في النظام الآسيوي الصاعد. وتؤكد في الوقت ذاته سعي تركيا لإعادة تموضعها ضمن شبكة علاقات دولية أكثر تنوعاً وتوازناً.

