تتجه الأنظار إلى تطورات المحاكمة الجارية في الولايات المتحدة بحق رجل الأعمال الكولومبي أليكس صعب، المقرب من الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو، وسط تقديرات بأن القضية قد تتجاوز أبعادها الجنائية لتتحول إلى أداة ضغط سياسي على تركيا، بسبب دورها السابق في شبكة تبادل الذهب مقابل الغذاء المرتبطة بفنزويلا.
يرى محللون، من بينهم الدبلوماسي التركي السابق إمْدات أونَر، أن عودة صعب إلى قاعة المحكمة الفدرالية في ميامي قد تفتح الباب أمام كشف تفاصيل جديدة تتعلق بمسارات مالية وتجارية مرّت عبر تركيا، وهو ما قد يمنح واشنطن نفوذاً إضافياً في تعاملها مع أنقرة.
عودة صعب إلى المحاكمة: اتهامات بغسل الأموال والفساد
مثل أليكس صعب، البالغ من العمر خمسة وخمسين عاماً، أمام محكمة فدرالية في ميامي بعد ترحيله من فنزويلا، حيث يواجه تهماً تتعلق بالتآمر لغسل الأموال ضمن برنامج حكومي لتوزيع الغذاء يُعرف باسم “CLAP”.
تفيد لائحة الاتهام بأن صعب وشركاءه قاموا بدفع رشى لمسؤولين فنزويليين للحصول على عقود توريد، واستخدموا شركات وهمية وفواتير مزورة وسجلات شحن مضللة لاختلاس مئات الملايين من الدولارات التي كان يفترض تخصيصها لتأمين الغذاء للمواطنين.
كما تتهمه السلطات الأمريكية باستخدام عائدات مبيعات النفط الفنزويلي غير المشروعة لتمويل هذه الشبكة وإخفاء أنشطتها. وفي حال إدانته، قد يواجه عقوبة تصل إلى عشرين عاماً من السجن.
المسار التركي: الذهب مقابل الغذاء
رغم أن لائحة الاتهام العلنية لا تذكر تركيا صراحة، فإن تقارير سابقة لوزارة الخزانة الأمريكية ووسائل إعلام دولية وثّقت وجود مسار تجاري ومالي ربط فنزويلا بتركيا ضمن هذه الشبكة.
وفقاً لهذه المعطيات، ساهم صعب في إنشاء آلية لتصدير الذهب الفنزويلي إلى الخارج، حيث تم نقل كميات كبيرة منه إلى تركيا والإمارات. وقد أدرجت وزارة الخزانة الأمريكية شركة “مولبيري بروجي ياتريم” المسجلة في تركيا ضمن شبكة صعب، مشيرة إلى أنها لعبت دوراً في شراء سلع من السوق التركية بأسعار مبالغ فيها وإعادة تصديرها إلى فنزويلا.
كما اعتُبرت هذه الشركة جزءاً من منظومة تسهيل المدفوعات المرتبطة ببيع الذهب ضمن برنامج “CLAP”، ما يعزز فرضية وجود دور محوري للمسار التركي في الالتفاف على العقوبات.
تصاعد التجارة بين أنقرة وكاراكاس
شهدت العلاقات الاقتصادية بين تركيا وفنزويلا توسعاً ملحوظاً في تلك الفترة، خاصة في ظل الضغوط الأمريكية على البلدين. فقد أظهرت بيانات تجارية أن فنزويلا صدّرت مئات الملايين من الدولارات من الذهب إلى تركيا خلال عام 2018، بعد أن لم تكن هناك صادرات تذكر في العام السابق.
وبنهاية ذلك العام، بلغت قيمة واردات تركيا من الذهب الفنزويلي نحو تسعمئة مليون دولار. في الوقت نفسه، تم استخدام عائدات هذه التجارة لتمويل صادرات تركية من السلع الاستهلاكية إلى فنزويلا، شملت الحليب المجفف والمواد الغذائية الأساسية التي كانت تُدرج ضمن سلال الدعم الحكومي.
تقارير صحفية أشارت أيضاً إلى وصول عشرات الحاويات من المنتجات التركية إلى الموانئ الفنزويلية، في إطار هذا التبادل الذي جمع بين الذهب والغذاء.
شركات وواجهات تجارية مرتبطة بالشبكة
ربطت تحقيقات صحفية وسجلات تجارية بين شركات مقرها تركيا، مثل “مولبيري” و”ماريلينز بروجي ياتريم”، وبين أفراد من الدائرة المقربة لصعب، سواء على مستوى العائلة أو الشركاء التجاريين.
هذه الروابط تعكس نمطاً شائعاً في شبكات الالتفاف على العقوبات، حيث يتم استخدام شركات واجهة متعددة الجنسيات لتغطية التدفقات المالية وإخفاء المستفيدين الحقيقيين.
مقارنة مع قضية رضا زراب
شبّه أونَر هذه القضية بسابقة رجل الأعمال التركي-الإيراني رضا زراب، الذي أقر بالذنب في الولايات المتحدة عام 2017 وكشف عن شبكة معقدة ساعدت إيران على الالتفاف على العقوبات عبر تجارة الذهب والبنوك التركية.
أدت تلك القضية إلى توجيه اتهامات لمصرف “خلق بنك” الحكومي، وأصبحت أحد أبرز ملفات التوتر بين أنقرة وواشنطن. وقد أُغلقت القضية في آذار/مارس 2026 عبر اتفاق ملاحقة مؤجلة دون فرض غرامات، في خطوة ربطها مراقبون باعتبارات سياسية ودور تركيا في ملفات إقليمية.
أبعاد سياسية محتملة
يرى محللون أن قضية صعب قد تسلك مساراً مشابهاً، خاصة إذا تمكن الادعاء الأمريكي من الحصول على شهادات أو وثائق تكشف تفاصيل أوسع عن الشبكات المالية التي مرّت عبر تركيا.
وفي هذا السياق، قد تتحول القضية إلى أداة تفاوض غير مباشرة، تستخدمها واشنطن في إدارة علاقاتها المعقدة مع أنقرة، خصوصاً في ظل تشابك الملفات بين البلدين، من العقوبات إلى القضايا الإقليمية.
خلفية قانونية معقدة
تعود أولى الاتهامات الأمريكية لصعب إلى عام 2019، حيث تم توقيفه لاحقاً في الرأس الأخضر قبل تسليمه إلى الولايات المتحدة. وفي عام 2023، حصل على عفو رئاسي ضمن صفقة تبادل سجناء مع فنزويلا.
غير أن السلطات الأمريكية أعادت ملاحقته بتهم جديدة لا يشملها العفو، وفق تقارير إعلامية، ما أدى إلى مثوله مجدداً أمام القضاء. وكان صعب قد تعاون سابقاً مع إدارة مكافحة المخدرات الأمريكية وصادر أكثر من اثني عشر مليون دولار من أصوله.
دلالات
تكشف هذه القضية عن تداخل عميق بين الاقتصاد السياسي والعقوبات الدولية، حيث تتحول شبكات التجارة غير الرسمية إلى أدوات جيوسياسية. كما تسلط الضوء على دور الدول الوسيطة في تسهيل أو إعادة توجيه التدفقات المالية في ظل القيود الغربية.
بالنسبة لتركيا، فإن أي انكشاف قانوني جديد قد يعيد فتح ملفات حساسة، ويؤثر على توازن علاقاتها مع الولايات المتحدة، خاصة في مرحلة تسعى فيها أنقرة إلى الحفاظ على هامش مناورة بين القوى الكبرى.
خلاصة
محاكمة أليكس صعب قد تكشف تفاصيل جديدة عن شبكة الذهب مقابل الغذاء المرتبطة بتركيا، ما يمنح واشنطن ورقة ضغط محتملة على أنقرة. القضية تحمل أبعاداً تتجاوز القانون إلى السياسة، في ظل تاريخ سابق من التوترات المرتبطة بالعقوبات والالتفاف عليها.

