أصدرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان حكمًا بارزًا في قضية المواطن التركي شعبان ياساك، المتهم بالانتماء إلى حركة الخدمة، المعروفة إعلاميا بـ”حركة كولن”، أعادت فيه تسليط الضوء على إشكاليات عميقة في مسار المحاكمات التي جرت في تركيا عقب أحداث 15 يوليو 2016، مؤكدة وقوع انتهاكات جوهرية للاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.
وقد أعلن رئيس المحكمة ماتياس غيومار الحكم الصادر باسم الغرفة الكبرى المؤلفة من 17 قاضيًا، مشيرًا إلى إدانة تركيا بانتهاك مادتين أساسيتين من الاتفاقية الأوروبية، هما المادة الثالثة المتعلقة بحظر التعذيب وسوء المعاملة، والمادة السابعة التي تنص على مبدأ “لا جريمة ولا عقوبة دون نص قانوني”.
قرار الغرفة الكبرى: نقض وتثبيت لانتهاكات قانونية
جاء الحكم بعد تصويت منقسم داخل الغرفة الكبرى، حيث أُقرت مخالفة المادة السابعة بأغلبية واضحة، كما ثبتت مخالفة المادة الثالثة بفارق ضئيل. وأكدت المحكمة أن “الإدانة الصادرة بحق ياساك من قبل المحاكم التركية استندت إلى مبررات غير كافية من الناحية القانونية”.
وشدد غيومار خلال تلاوة القرار على أن “الظروف الاستثنائية التي واجهتها تركيا لا تبرر التخلي عن المبادئ القانونية الأساسية”، وعلى رأسها مبدأ الشرعية الجنائية، الذي يجب الالتزام به حتى في أصعب الأوقات.
امتداد لحكم “يلتشينكايا”: توسيع دائرة الطعن
يأتي هذا الحكم في سياق قضائي متصل بحكم سابق أصدرته المحكمة في قضية المعلم التركي يلتشينكايا، حيث يشكل القرار الجديد امتدادًا له، مع توسيع نطاقه ليشمل ليس فقط الأدلة المرتبطة بتطبيق “بايلوك”، بل أيضًا مختلف أنماط الأدلة التي استخدمت في محاكمات أتباع حركة الخدمة.
ويُقدّر أن هذا التوجه القضائي قد يؤثر بشكل مباشر على أكثر من 150 ألف حالة مشابهة، ما يضع النظام القضائي التركي أمام تحدٍ لإعادة النظر في تطبيق المادة 314/2 من قانون العقوبات، المتعلقة بعضوية التنظيمات المسلحة.
إشكاليات الأدلة: الاعترافات والبنية الهرمية
انتقدت المحكمة اعتماد القضاء التركي على إفادات “شهود تائبين” أو “معترفين”، وعلى تفسيرات تتعلق بالهيكل التنظيمي المفترض، دون تقديم أدلة مادية كافية تثبت ارتكاب أفعال جرمية محددة. واعتبرت أن هذا النمط من الإدانة يتعارض مع مبدأ الشرعية، ويؤدي إلى توسيع نطاق التجريم بشكل غير مبرر.
من قرار مثير للجدل إلى مراجعة حاسمة
كانت الدائرة الثانية للمحكمة قد أصدرت في أغسطس 2024 حكمًا مخالفًا، خلصت فيه بالإجماع إلى عدم وقوع أي انتهاك للمادتين الثالثة والسابعة. غير أن هذا القرار أثار موجة واسعة من الانتقادات، بسبب ما اعتُبر تجاوزًا في صياغة الحكم.
فقد تضمّن القرار إشارات إلى احترام “الحق في المحاكمة العادلة” رغم أن هذا الجانب لم يكن ضمن نطاق الشكوى المقدمة. كما أُدرجت فيه اتهامات لم ترد في لائحة الاتهام الأصلية، مثل “سرقة أسئلة امتحانات” و”التسلل إلى مؤسسات الدولة”، وكأنها وقائع مثبتة بحق ياساك، رغم أنها لم تكن جزءًا من الحكم الصادر عن محكمة تشوروم.
هذا التباين أثار انتقادات من خبراء قانونيين، من بينهم الباحث الحقوقي غوكهان غونش، الذي اعتبر أن القرار لم يُكتب بحيادية، بل تأثر بتوجهات أيديولوجية. كما أشار كل من كرم ألطيبارماق ورُميساء بوداق في تحليل منشور إلى أن القرار تجاهل مبدأ عدم رجعية القوانين الجنائية.
مرافعات متباينة أمام الغرفة الكبرى
خلال جلسة الاستماع التي عُقدت في ستراسبورغ في مايو 2025، دافعت الحكومة التركية عن موقفها، مؤكدة أن الأفعال المنسوبة إلى ياساك، عند تقييمها بشكل متكامل، تشكل عناصر جريمة الانتماء إلى تنظيم مسلح.
وأشارت إلى أن المتهم شغل موقعًا تنظيميًا متقدمًا، وارتقى تدريجيًا ضمن الهيكل، واستخدم اسمًا حركيًا، وشارك في أنشطة متعددة، من بينها تحويل أموال إلى بنك “آسيا”.
في المقابل، دافع محاميا ياساك، يوهان هايمانز ويوهان فاندي لانوت، عن موكلهما، مؤكدين أن جميع الأفعال المنسوبة إليه كانت قانونية في حينها، وأن تصنيف حركة “الخدمة” كمنظمة إرهابية تم لاحقًا، ما يجعل من غير الممكن تحميل الأفراد مسؤولية بأثر رجعي.
كما شددا على أن القضاء التركي لم يُجرِ تقييمًا دقيقًا للأركان المادية والمعنوية للجريمة، بل اعتمد على افتراضات عامة.
سياق ميداني: استمرار العمليات الأمنية المثيرة للجدل
يتزامن هذا الحكم مع استمرار عمليات أمنية داخل تركيا تستهدف أشخاصًا يُشتبه بارتباطهم بحركة “كولن”. ففي عملية نُفذت في ست ولايات، بينها إسطنبول وأنطاليا وبورصة، تم توقيف 25 شخصًا، وسط اتهامات تتعلق بـ”البنية الحالية” للحركة.
وأفادت تقارير إعلامية أن بعض التهم شملت أنشطة مثل مساعدة طلاب في العثور على سكن، واعتُبرت دليلًا على “الارتباط التنظيمي”، ما يعكس استمرار استخدام معايير فضفاضة في توصيف الأنشطة المدنية.
اختبار جديد للمنظومة القضائية التركية
يمثل حكم المحكمة الأوروبية في قضية ياساك محطة مفصلية في تقييم شرعية المحاكمات المرتبطة بفترة ما بعد 2016، أو المحاكمات الخاصة بأتباع حركة كولن. فهو لا يكتفي بتشخيص الانتهاكات، بل يضع إطارًا قانونيًا قد يُلزم تركيا بإعادة النظر في عدد كبير من الأحكام القضائية.
كما يعكس القرار توترًا مستمرًا بين متطلبات الأمن القومي ومبادئ العدالة الجنائية، في سياق سياسي وقضائي معقد. ويُرجح أن يؤدي هذا الحكم إلى ضغوط دولية متزايدة على أنقرة لإجراء إصلاحات قانونية، خاصة فيما يتعلق بتعريف الجرائم الإرهابية وضمانات المحاكمة العادلة.

