منحت السلطات الهولندية وسامًا ملكيًا لإحدى المتطوعات البارزات ذات الأصول التركية، رغم أنها مطلوبة لدى أنقرة على خلفية اتهامات بالارتباط بحركة كولن، التي تصنفها الحكومة التركية تنظيماً إرهابياً.
المتطوعة نجيبة جتينتاش، البالغة من العمر 48 عاماً، حازت هذا التكريم في 24 أبريل خلال مراسم رسمية سبقت احتفالات يوم الملك، حيث قامت عمدة المدينة جويس لانغيناكر بتسليمها الوسام.
وسام «أورانج-ناساو» وتقدير العمل المجتمعي
جرى تعيين جتينتاش عضواً في وسام أورانج-ناساو، وهو من أبرز الأوسمة في هولندا التي تُمنح تقديراً للخدمات المجتمعية المتميزة.
بلدية زيست أوضحت أن هذا العام شهد تكريم 17 شخصاً من سكانها، مشيدة بدورهم في تعزيز التماسك الاجتماعي، وبناء جسور بين مختلف الفئات، وتحسين جودة الحياة، مشيرة إلى أن غالبية المكرّمين ينشطون في العمل التطوعي.
نشاط اجتماعي ممتد وتأثير واسع
تنشط جتينتاش منذ نحو 15 عاماً ضمن مؤسسة سيكو في مدينة أوترخت، وهي منظمة تأسست قبل حوالي ثلاثة عقود على يد متطوعين مستلهمين من أفكار فتح الله كولن الراحل.
تركز المؤسسة على تنظيم برامج تعليمية وثقافية وحوارات بين الأديان، بهدف تعزيز التعايش المجتمعي والتقارب بين الثقافات.
من أبرز أنشطتها تنظيم موائد إفطار جماعية خلال شهر رمضان، حيث استقطبت هذه الفعاليات في السنوات الأخيرة نحو 20 ألف مشارك من خلفيات دينية وثقافية متنوعة.
رمضان كجسر للحوار المجتمعي
أوضحت جتينتاش أن الفعاليات الرمضانية اليومية في أوترخت كانت تستقبل نحو 150 مشاركاً يومياً، من بينهم غير مسلمين ومسؤولون محليون، ما أتاح مساحات للحوار والتفاهم.
وأشارت إلى أن بعض المشاركين غير المسلمين خاضوا تجربة الصيام ليوم واحد بهدف التعرف على الممارسات الإسلامية، وهو ما اعتبرته مؤشراً على نجاح هذه المبادرات في تعزيز التفاهم.
حضور إعلامي وتفاعل مجتمعي متزايد
حظيت هذه الأنشطة باهتمام إعلامي داخل هولندا، حيث نشرت صحيفة ألخمين داخبلاد تقريراً في مارس 2025 تناول تزايد مشاركة غير المسلمين في فعاليات الإفطار، ووصفت الظاهرة بأنها تطور إيجابي.
كما أبرز التقرير مشاركة السياسية الهولندية جولييت فان خيلسه إلى جانب جتينتاش، مشيراً إلى أن المؤسسة توجه دعوات مفتوحة لمختلف الجمعيات للمشاركة.
وفي تقرير آخر، سلطت منصة إنديبورت الضوء على فعالية كبيرة في حي كانالينآيلاند، شارك فيها سكان المنطقة ومؤسسات محلية وعناصر من الشرطة المجتمعية، تحت شعار الانفتاح والشمول.
رد فعل جتينتاش: بين المفاجأة والقلق
وصفت جتينتاش حصولها على الوسام بأنه مفاجأة غير متوقعة، مؤكدة أن عملها التطوعي نابع من قناعة شخصية بأن مساعدة الآخرين وتعزيز التقارب المجتمعي أمر بديهي.
لكنها في الوقت ذاته أعربت عن قلقها من أن هذا التكريم قد يؤثر سلباً على وضعها القانوني في تركيا، مشيرة إلى احتمال أن يزيد من العقوبات المحتملة بحقها.
خلفية قانونية وسياسية: تداعيات ما بعد 2016
تعود جذور القضية إلى حملة واسعة أطلقتها أنقرة عقب محاولة الانقلاب الغامضة في تركيا 2016، حيث اتهم الرئيس رجب طيب أردوغان حركة الخدمة بالوقوف وراءها، وهو ما تنفيه الحركة بشكل قاطع.
منذ ذلك الحين، شهدت تركيا حملة تطهير غير مسبوقة شملت فصل أكثر من 130 ألف موظف حكومي، وإقصاء 4156 قاضياً ومدعياً، وتسريح أكثر من 24 ألف عسكري.
كما تشير بيانات وزارة العدل إلى إدانة أكثر من 126 ألف شخص بتهم تتعلق بالحركة، مع استمرار سجن أكثر من 11 ألفاً.
ولا تزال الإجراءات القضائية جارية بحق أكثر من 24 ألف شخص، بينما يخضع نحو 58 ألفاً لتحقيقات مستمرة، بعد ما يقرب من عقد على الأحداث.
أبعاد إنسانية وهجرة قسرية
أدت هذه الحملة إلى موجة نزوح كبيرة، حيث اضطر آلاف الأفراد المرتبطين بالحركة إلى مغادرة تركيا تفادياً للاعتقال أو الملاحقة القضائية.
وفي هذا السياق، تعكس حالة جتينتاش نموذجاً لتقاطع العمل المدني في أوروبا مع النزاعات السياسية والقانونية العابرة للحدود.
تصادم الروايات بين أنقرة وأوروبا
تكشف هذه الواقعة عن فجوة واضحة بين المقاربة الأوروبية والتركية، فأوروبا تميل إلى تقييم الأفراد بناءً على إسهاماتهم المجتمعية داخل دولها، بينما تنظر أنقرة إلى الانتماءات السياسية أو الفكرية كمعيار أساسي.
كما أن منح وسام رسمي لشخص مطلوب قضائياً في تركيا قد يضيف توتراً غير مباشر في العلاقات، خاصة في ظل استمرار الخلافات حول ملفات حقوق الإنسان.
في المقابل، يعكس التكريم أيضاً رغبة أوروبية في دعم نماذج الاندماج الإيجابي، حتى في ظل حساسيات سياسية مع دول أخرى.

