شهدت خارطة القوى العسكرية في منطقة الشرق الأوسط منذ سبعينيات القرن الماضي وحتى عامنا الجاري ٢٠٢٦، تحولات جذرية أعادت رسم موازين القوى بين القوى الإقليمية، حيث انتقلت السيادة الجوية من دول كانت تمتلك أساطيل ضخمة إلى حالة من التحييد الممنهج لصالح تفرد طرف واحد بالهيمنة المطلقة.
العصر الإمبراطوري الإيراني: من الذروة إلى الاستنزاف
في مطلع السبعينيات، وتحت حكم الشاه محمد رضا بهلوي، تحولت إيران إلى ورشة عمل عسكرية كبرى بفضل تدفق عائدات النفط. سعى الشاه لتحويل بلاده إلى قوة علمانية حديثة تضاهي العواصم الغربية، حيث شهدت طهران طفرة عمرانية ورفاهية حكرت على النخبة، بينما تزايدت الفجوة الطبقية مع العمال والفلاحين.
عسكرياً، امتلكت إيران في أواخر السبعينيات نحو ٥٠٠ طائرة مقاتلة من أحدث الطرازات الأمريكية (F-14, F-4, F-5)، وهو رقم تجاوز ما كانت تمتلكه تركيا، العضو في الناتو، في ذلك الوقت. بل إن إيران كانت أول مشترٍ أجنبي يطلب طائرات F-16 ويدفع ثمنها سلفاً.
تغير المشهد كلياً عقب ثورة ١٩٧٩، حيث انقلبت العلاقة مع الغرب، واستولت الولايات المتحدة على الطائرات المدفوعة الثمن وحولتها لاحقاً إلى إسرائيل. تبع ذلك حرب استنزاف دامت ثماني سنوات مع العراق، أدت إلى تآكل الأسطول الجوي الإيراني بسبب نقص قطع الغيار والحظر الدولي. هذا التدهور التقني تجلى بوضوح حتى في العصر الحديث، كما حدث في واقعة سقوط مروحية الرئيس إبراهيم رئيسي عام ٢٠٢٤، والتي كانت تعود لتقنيات الستينيات، مما يعكس عجز طهران عن تحديث أسطولها الجوي التقليدي.
المقامرة العراقية: صعود وسقوط “بروسيا العرب“
عقب الثورة الإيرانية، تم دعم نظام صدام حسين وتحويله إلى “فدائي” للغرب ودول الخليج لكبح جماح التمدد الإيراني. امتلك العراق مع نهاية حربه مع إيران أسطولاً جوياً ضخماً يضم ٧٥٠ طائرة مقاتلة ونحو ٥٠٠٠ دبابة، ما جعله يوصف بـ “بروسيا العرب”. إلا أن هذا الزخم العسكري تحطم على صخرة غزو الكويت عام ١٩٩٠، وهو الفخ الذي نُصب لصدام عقب إشارات غامضة من السفيرة الأمريكية أبريل غلاسبي .
دُمرت القوة العراقية عبر محطتين؛ الأولى في حرب ١٩٩١ حيث فُرض حصار خانق أدى لتقادم السلاح، والثانية في غزو ٢٠٠٣ الذي انتهى بفك تجميع وتدمير ما تبقى من الطائرات العراقية تماماً. واليوم، لا يمتلك العراق سوى عدد محدود جداً من طائرات F-16 التي تعاني من مشاكل في الصيانة والتدريب، مما يجعل قوته الجوية في حكم العدم مقارنة بجيرانه.
تلاشي القوى التقليدية في سوريا ولبنان
لم تكن سوريا بمنأى عن هذا المسار؛ فقبل عام ٢٠١١، كان الجيش السوري يمتلك نحو ٦٠٠ طائرة مقاتلة و٥٠٠٠ دبابة. ومع اندلاع الحرب الداخلية التي استمرت لسنوات، تآكلت هذه القوة بفعل المعارك والقصف الإسرائيلي الممنهج للمطارات والمنظومات الدفاعية، حتى وصل عدد الطائرات المقاتلة الفاعلة إلى الصفر تقريباً.
وبالمثل، فقد لبنان الذي كان يمتلك في السبعينيات أكثر من ٣٠ طائرة مقاتلة كل قدراته الجوية، ليصبح بلا أجنحة في مواجهة أي تهديد خارجي.
عقيدة الهيمنة الإسرائيلية وقواعد اللعبة الجديدة
تتمحور الاستراتيجية الأمنية الإسرائيلية حول ضمان “التفوق الجوي المطلق”؛ فبينما يتم تصفير القوى الجوية للدول المجاورة، تعزز إسرائيل أسطولها بنحو ٦٠٠ وسيلة جوية، منها ٤٠٠ طائرة مقاتلة متطورة جداً مثل F-35 وF-15، مدعومة بمنظومات دفاع جوي طبقي. هذا “السوط الطويل” يتيح لإسرائيل ضرب أي هدف في المنطقة دون رادع جوي حقيقي.
ومع ذلك، فرضت إيران تحولاً في قواعد الاشتباك؛ فبعد عجزها عن امتلاك طائرات مقاتلة حديثة، اتجهت نحو تطوير الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة “الانتحارية”. هذا البديل الأرخص والأكثر خطورة بات يشكل التحدي الأبرز للمنظومة الأمنية الغربية والإسرائيلية، مما جعل محور الصراع الحالي يتركز على تحييد هذه القدرات الإيرانية غير التقليدية لضمان استمرار السيطرة الجوية المطلقة في سماء المنطقة.
إن المتتبع للسياق التاريخي يدرك أن تجريد دول المنطقة من أنيابها الجوية لم يكن وليد الصدفة، بل هو نهج استراتيجي يهدف لتحويل المنطقة إلى فضاء مفتوح للتحرك الإسرائيلي. وفي ظل تكرار سيناريوهات الاستدراج والصدام، تبقى الشعوب الإقليمية هي الطرف الذي يدفع ثمن هذه الموازين المختلة، بينما تتحول الحروب من المواجهات الكلاسيكية بالطائرات إلى حروب ذكية تقودها المسيرات والصواريخ العابرة للحدود.
خلاصة القول
انتهى عصر التوازن الجوي في الشرق الأوسط ليحل محله تفرد إسرائيلي مطلق بالأجواء مقابل استراتيجية إيرانية بديلة تعتمد على المسيرات والصواريخ لتعويض كسر أجنحتها التقليدية. لقد أثبتت العقود الخمسة الماضية أن امتلاك السلاح دون استقلال سياسي وتقني يحوله إلى عبء يسقط مع أول تغيير في التحالفات الدولية.

