في مقابلة مع الكاتب الصحفي التركي روشن شاكر عبر قناته على يوتيوب، قدم الأكاديمي التركي أحمد كورو أفكاره اللافتة حول الأسباب التي أدت إلى تأخر العالم الإسلامي كله في العلم والفكر والفلسفة والفن والاقتصاد عن مستوى الدول الغربية.
يرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة ولاية سان دييغو الأمريكية أحمد كورو أن كتابه الصادر بالإنكليزية عام 2019 بعنوان: «Islam, Authoritarianism, and Underdevelopment: A Global and Historical Comparison»، هو ثمرة مسار فكري بدأ في بيئة تركية مشغولة بسؤال سقوط الدولة العثمانية وتعثر الجمهورية، وبالسؤال الأوسع: لماذا لم تعد تركيا، ولا العالم الإسلامي عموماً، قوة فاعلة في العلم والفلسفة والفن والاقتصاد؟
سؤال التخلف والسلطوية في العالم الإسلامي
ينطلق كورو من سؤال مركزي: لماذا تسود السلطوية وتتراجع التنمية الاقتصادية والفكرية في معظم البلدان ذات الأغلبية المسلمة مقارنة بالمتوسط العالمي، رغم أن العالم الإسلامي كان، بين القرنين التاسع والثاني عشر، أكثر تقدماً فلسفياً واقتصادياً من أوروبا الغربية؟
يرفض كورو تفسيريْن سائدين: الأول التفسير الجوهراني الذي يردّ التأخر إلى «طبيعة الإسلام» أو «ثقافة المسلمين» ذاتها. والثاني التفسير الاستعماري المحض الذي يُرجع كل المعضلات إلى الاستعمار الغربي والإمبريالية الحديثة، وكأن المجتمعات المسلمة لم تكن تعاني من أزمات بنيوية قبل القرن التاسع عشر.
ويطرح بدلاً من ذلك تفسيراً تاريخياً ـ اجتماعياً يركّز على العلاقات بين الطبقات الفكرية والاقتصادية والدينية والسياسية، وعلى ما يسميه «تحالف العلماء–الدولة» بوصفه البنية المركزية التي عطّلت الإبداع الفكري والاقتصادي في العالم الإسلامي منذ القرن الحادي عشر حتى اليوم.
نقد الجوهرانية والتفسير الاستعماري
يوضح كورو أنه عاش في الولايات المتحدة منذ أواخر التسعينيات، وشهد مباشرة تحوّل الإسلام إلى محور النقاش العام بعد هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001، حيث تبلورت ثنائية حادّة: تيار يمثله برنارد لويس وصموئيل هنتنغتون، يحمّل «جوهر الإسلام» أو «ثقافة المسلمين» مسؤولية العنف والسلطوية. وتيار مضاد يمثله إدوارد سعيد وآخرون، يركّز على الاستعمار الغربي والهيمنة الإمبريالية بوصفهما أصل كل المشكلات.
يقرّ كورو بقيمة نقد الاستشراق والاستعمار كما قدّمه إدوارد سعيد، ويرى أن فضح عنف الإمبريالية الغربية ضرورة فكرية وأخلاقية، لكنه ينتقد تحوّل هذا الخطاب – حين تتبنّاه حركات إسلامية أو أنظمة مثل السعودية وإيران – إلى آلية تبريرية تُعفي المسلمين من مساءلة الذات وتُخفي عيوب البنى السياسية والفكرية الداخلية.
من هنا، يصرّ كورو على الجمع بين أمرين: رفض خطاب العداء للإسلام، وفي الوقت نفسه رفض اختزال كل الأزمات في الاستعمار، لأن هذا الاختزال يعطّل أي مشروع إصلاح ذاتي جدي في المجتمعات المسلمة.
«العصر الذهبي» الإسلامي وطبيعته التعددية
يرسم كورو صورة مفصلة لما يسميه «العصر الذهبي» للحضارة الإسلامية بين القرن الثامن تقريباً والقرنين الحادي عشر/الثاني عشر، حيث كانت مدن مثل بغداد مراكز كوزموبوليتية تحتضن ملايين الكتب في مكتباتها، وتنتج أسماء كبرى في الفلسفة والطب والعلم مثل ابن سينا والفارابي وغيرهما.
يوضح كورو أن هذا العصر لم يكن مجرد تقليد للفلسفة اليونانية، بل تفاعلت فيه مصادر يونانية وفارسية وهندية وإفريقية، قبل أن تنتقل حصيلة هذا التلاقح مرة أخرى إلى أوروبا. ولم يكن حصيلة «تديّن صارم»، بل نتاج فضاء تعددي شارك فيه مسلمون بمذاهب شتى، إلى جانب مسيحيين ويهود وإسماعيليين وغيرهم، في إنتاج المعرفة والترجمة والطب والتجارة.
يشدد كورو على أن هذا العصر لم يكن «انتصاراً للأرثوذكسية»، بالمعنى الفلسفي، بل لعالم فكري وحضاري مفتوح يشبه في تركيبته تعددية أمريكا المعاصرة أو حضارة الهيلينستية، حيث تواجد مفكرون مؤمنون ومتشككون ولا أدريون ضمن فضاء يسمح بالجدل والإبداع.
دور غير المسلمين في الازدهار
يتوقف كورو عند مساهمات اليهود والمسيحيين وغيرهم، مستنداً إلى دراسات يهودية تؤكد أن المجتمع اليهودي بقي مجتمعاً زراعياً حتى صعوده في ظل الدول الإسلامية كالأمويين والعباسيين والفاطميين، حيث تحوّل تدريجياً إلى طبقة تجّار متعلمين.
ويضرب مثالاً بحكم البويهيين الشيعة في القرن العاشر ببغداد: فحين أسّسوا مستشفى كبيراً ذائع الصيت، كان رؤساء أطبائه من المسيحيين واليهود، ولم يُنظر إلى ذلك بوصفه أمراً شاذاً، بل طبيعياً في مناخ علمي تعددي.
من التعددية إلى تحالف العلماء–الدولة
يقارن كورو بين وضع بغداد في القرن العاشر وبين مستشفى المنصور الذي أُنشئ في القرنين الخامس عشر/السادس عشر، بعد ترسّخ سنّية أرثوذكسية إقصائية في مناطق واسعة من العالم الإسلامي: في العصر الأول، كان تعيين أطباء غير مسلمين أمراً مألوفاً. في العصر الثاني، أصدر المستشفى الجديد إعلاناً ينص على أن غير المسلمين لا يمكن أن يكونوا أطباء ولا حتى مرضى في هذا المرفق، ما اضطر ثلاثة من أشهر الأطباء المسيحيين إلى إعلان الإسلام شكلياً كي يُسمح لهم بممارسة مهنتهم.
يعتبر كورو أن هذا التحوّل يلخّص تراجعاً عميقاً في خمسة قرون: من حضارة تستفيد من كفاءات الجميع إلى منظومة تُقصي المختلف دينياً وتخنق التعددية في قلب المؤسسات العلمية.
تحوّل أوروبا وصعود الانغلاق في العالم الإسلامي
يرى كورو أن أوروبا التي كانت تعيش «عصوراً مظلمة» من حيث الفلسفة والعلم حتى القرن الحادي عشر/الثاني عشر، شرعت بعد ذلك في التحوّل التدريجي نحو انفتاح معرفي، بينما بدأت في العالم الإسلامي حركة معاكسة نحو مزيد من الانغلاق والأرثوذكسية ومحاصرة الفلاسفة والتجار والمستقلين.
ويُرجع هذا الانقلاب إلى نشوء تحالف بنيوي بين الدولة العسكرية والعلماء الأرثوذكس (الفقهاء/الفقهاء الرسميين)، وهو التحالف الذي سيصير – في تصوّره – المفتاح التفسيري لمشكلة السلطوية والتأخر حتى العصر الحديث.
التمويل، الطبقات الاجتماعية، والانفصال بين الدين والدولة
يولي كورو اهتماماً خاصاً لدور التجار في تمويل الفكر والعلم في العصر الذهبي، ويشير إلى أن استعمال لفظ «تمويل» بمصطلحه الحديث قد لا يكون دقيقاً، لكن الجوهر أن الطبقة التجارية كانت تفتح أمام العلماء والفلاسفة والعاملين في المعرفة فضاءات واسعة من الاستقلال المعيشي والحركة، بعيداً عن سلطان الدولة.
وبحسب معطيات إحصائية يوردها كورو، فإن نحو أربعة آلاف عالم بين عامي 800 و1050 للميلاد كان حوالى تسعين بالمئة منهم يعتمدون على التجارة أو المهن الحرة في معيشتهم، بينما لم يعمل موظفاً لدى الدولة – قاضياً أو بيروقراطياً – إلا أقلية صغيرة لا تتجاوز عشرة بالمئة.
“علماء ضد الدولة” في البدايات
يقدّم كورو قراءة تاريخية لموقف روّاد المذاهب السنية الأربعة من السلطة الأموية ثم العباسية، فيُبرز كيف وقف أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل موقفاً نقدياً حادّاً من السلطان، حتى تعرّضوا للسجن أو الجلد أو التهديد بالقتل، على خلفية رفضهم الانخراط في خدمة السلطة أو تلقي عطاياها.
من هنا، يرى كورو أن الإسلام – في مراحله الأولى – عرف نوعاً من الفصل النسبي بين العلماء والدولة، استمر نحو ثلاثة أو أربعة قرون؛ حيث حافظت طبقة العلماء في معظمها على استقلال اقتصادي وفكري عن السلطة، ولم تكن «جهازاً رسمياً» تابعاً لها.
تراجع التجار وصعود “تحالف العلماء–الدولة”
يشرح كورو أن التغيّر البنيوي حصل عندما تراجعت قوة التجار والطبقة البرجوازية، فملأت الدولة الفراغ عبر إنشاء شبكة من المدارس الدينية (المدارس/المدارس النظامية)، وضمّ العلماء إلى جهازها الإداري والرمزي، لتشكيل تحالف طويل الأمد بين الفقهاء الرسميين والدولة العسكرية.
في إطار هذا التحالف، انخفضت درجة حرية الفكر وجرى تهميش طبقات المفكرين والمبدعين والتجار المستقلين، وتحولت الحضارة الإسلامية تدريجياً إلى منظومة تسعى أساساً إلى أهداف عسكرية ودينية–جيوبوليتيكية أكثر من سعيها إلى الابتكار العلمي والاقتصادي.
الدين والدولة – من الفصل النسبي إلى التماهي
يشير كورو إلى مفارقة تاريخية يراها أساسية: الأصل في التجارب البشرية هو تماهي الدين والدولة لا فصلهما؛ فالقوى السياسية والدينية استفادت غالباً من تلاحمها لضبط المجتمعات وتوجيهها، وهذا لا يقتصر على الإسلام.
ويستشهد – في كتاب جديد يعمل عليه حول «الدين والشعبوية» – بصعود زعماء مثل دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو وناريندرا مودي وفلاديمير بوتين، بوصفهم أمثلة حديثة على توظيف الدين في خدمة مشاريع شعبوية وسلطوية في بيئات مسيحية، يهودية، هندوسية، وأرثوذكسية.
انطلاقاً من ذلك، يرى أن تجربتيْن تاريخيتيْن تمثّلان استثناءين نسبيين: تجربة الفصل النسبي بين العلماء والدولة في القرون الإسلامية الخمسة الأولى. وتجارب فصل الدين عن الدولة في الغرب خلال القرنين الأخيرين، وهي أيضاً غير مكتملة ولا مطلقة.
خطاب «الدين–الدولة» وسلاح البروبوغاندا
يلفت كورو إلى أن التحالف بين العلماء والدولة في العالم الإسلامي استند إلى قوة دعائية هائلة، مثّلها: اختراع أحاديث موضوعة من قبيل «الدين والدولة توأمان» أو ما يشبهها. وتوسيع دلالة بعض الآيات والألفاظ القرآنية لتبرير طاعة مزدوجة للفقهاء والسلطان، وتقديم هذا التأويل عبر شبكة المساجد والمدارس آلاف المرّات.
ويرى أن هذه الآلة الدعائية ما زالت فعّالة حتى اليوم؛ إذ يتم – على سبيل المثال – التضييق على كتابه في بلدان مثل ماليزيا أو أوزبكستان تحت ذرائع دينية، ما يعكس استمرار تحالف المؤسسة الدينية الرسمية مع السلطة في مواجهة أي خطاب إصلاحي ينتقد بنيتهما المشتركة.
مِنْ سبْق المسلمين في الكتاب إلى تأخرهم في الطباعة
يذكّر كورو بأن المسلمين سبقوا أوروبا إلى ثورة «الكتاب الورقي» بقرون، بعد أن استوردوا صناعة الورق من الصين وطوّروا صناعات الكتب والكُتّاب والمكتبات، في حين ظلت أوروبا تعتمد الجلد الحيواني لقرون، ما جعل الكتب باهظة الثمن ومحدودة الانتشار.
لكن الصورة انقلبت بعد اختراع المطبعة في منتصف القرن الخامس عشر في أوروبا؛ إذ سمحت الطباعة بتعميم ترجمات الكتاب المقدّس وقراءة الناس له مباشرة، الأمر الذي غذّى الإصلاح البروتستانتي وربط التدين بالقراءة الشخصية للنصوص.
في المقابل، يبيّن كورو أن العالم العثماني – وغيره من الأقاليم الإسلامية – قاوم إدخال المطبعة قرابة ثلاثة قرون، ورفض السماح بطباعة ترجمة تركية للقرآن الكريم؛ إذ تعرّض تفسير شمس الدين سامي للإتلاف على يد بعض العلماء العثمانيين، ولم يظهر أول تفسير تركي مطبوع إلا بعد قيام الجمهورية عام 1924، أي بعد نحو 450 عاماً من غوتنبرغ.
احتكار المعرفة الدينية
يقول كورو إن هذا التأخر في تعميم القراءة الدينية مكّن المؤسسة الدينية من أن تحتكر تفسير النصوص، على غرار احتكار الكنيسة الكاثوليكية للغة اللاتينية قبل الإصلاح؛ فالجمهور مُنع عملياً من قراءة القرآن بلغته الخاصة أو الاطلاع المباشر على المصادر، وبقي رهينة خطب الجمعة والدروس التقليدية.
كان يمكن، في رأيه، أن يُعوَّض هذا الانغلاق عبر مسار صوفيّ أكثر انفتاحاً، لأن التصوف – كما يصفه – حمل في تجارب مبكرة طاقة تركيبية وإبداعية، واستعان بالشعر ولغات محلية مثل الفارسية والتركية للتأثير في الناس، بخلاف جفاف الخطاب المدرسي الرسمي.
إلا أن كثيراً من الطرق الصوفية انتهت إلى الالتحاق بالدولة، فأصبح شيوخها جزءاً من التحالف نفسه، بينما تعرّض من حاولوا الحفاظ على استقلالهم أو تطوير تصوف نقدي إلى تهم الزندقة أو المروق، وغالباً ما أُقصوا أو قُمِعوا.
من العلمانية السلطوية إلى موجة الإسلام السياسي
يرى كورو أن الفترة الممتدة تقريباً من عشرينيات القرن العشرين (مصادفة مع صعود مصطفى كمال في تركيا) حتى الثورة الإيرانية عام 1979 اتسمت بسيطرة أنظمة «علمانية» أو «قوموية» على معظم العالم الإسلامي؛ إذ اعتبرت هذه الأنظمة الدين عنصراً ينبغي ضبطه من أعلى بوصفه جزءاً من مشروع الدولة الحديثة.
لكن هذه العلمانية غالباً ما كانت فوقية وسلطوية، ركّزت على تحديث المؤسسة العسكرية والإدارة والبيروقراطية، دون أن تسمح ببناء فضاء مدني حر أو مؤسسات تمثيلية قوية، ما أفرز ردود فعل إسلامية لاحقة.
صعود الإسلام السياسي منذ السبعينيات
يربط كورو بين تراجع شرعية الأنظمة العلمانية السلطوية وبين صعود الإسلام السياسي منذ السبعينيات؛ فحركات مثل الإخوان المسلمين في مصر، وأبي الأعلى المودودي في شبه القارة الهندية، ثم الثورة الإيرانية، قدّمت خطاباً يحمّل تأخر المسلمين لغياب «الدولة الإسلامية» وتطبيق الشريعة، ويعد بإعادة بناء عالم عادل عبر أسلمة الدولة والقانون.
يشير كورو إلى أن هذا المشروع تُرجم عملياً، في بلدان مثل باكستان تحت حكم ضياء الحق أو في إيران بعد الثورة أو في أنظمة عربية وخليجية معينة، إلى:
-تضييق واسع على حقوق النساء (منع قيادة السيارة سابقاً في السعودية، قيود على السفر والزواج والطلاق حتى في بلدان «وسطية» مثل ماليزيا).
-فرض تأويلات متشددة للشريعة تستبعد النقاش الحر وتجرّم الاجتهادات البديلة، كما في قوانين التجديف في باكستان التي أدت إلى مئات المحاكمات، وعشرات حوادث الإعدام خارج القانون أو الإعدام الرسمي.
يرى كورو أن الإسلام السياسي، رغم ادعائه المعاصر، استند إلى أرضية ثقافية بناها تحالف العلماء–الدولة في القرون السابقة؛ ومن هنا يجد جمهوراً متقبلاً يراه «الامتداد الطبيعي» للإسلام التاريخي، مع أنه في نظره صيغة حديثة شمولية تأثرَت بالأيديولوجيات الشمولية الأوروبية (النازية والستالينية) في بنيتها التنظيمية وشعارها الكلي: “الإسلام دين ودولة ونظام شامل”.
تاسعاً: الإسلام السياسي بين اليوتوبيا والنتائج العملية
يلفت كورو إلى أن منظري الإسلام السياسي، مثل المودودي وسيد قطب وحسن البنا، حوّلوا الإسلام إلى أيديولوجيا شاملة، يتماهى فيها الدين والدولة والمجتمع، ويُرفض فيها أي فصل بين السلطات أو مجال مستقل للمجتمع المدني؛ فكل شيء يجب أن يندرج تحت «دولة إسلامية» تطبق الشريعة كما يعرّفونها.
لكن التجربة العملية لهذه المشاريع في إيران أو السودان أو أفغانستان (طالبان) أو غيرها لم تُنتج، حسب كورو، عدالة اجتماعية أو تنمية علمية واقتصادية حقيقية؛ بل أسفرت في كثير من الأحيان عنوتضييق على الحريات العامة والخاصة، وتركيز السلطة في يد نخبة ضيقة من رجال الدين أو العسكريين أو الاثنين معاً، وتهميش المرأة والأقليات الدينية والفكرية، وعزل البلاد دولياً أو ربطها بمحاور جيوسياسية تزيد هشاشتها.
يضيف أن بعض المثقفين الغربيين – من منطلق نقدهم للاستعمار و«مركزية الغرب» – وقعوا في فخ تبرير هذه الظواهر؛ فكُتبت نصوص تعتبر طالبان مثلاً «ظاهرة حديثة» أو حتى «ما بعد حداثية» ينبغي فهمها كتعبير عن ثقافة مغايرة لا يجوز الحكم عليها بمعايير عالمية، وهو ما يرفضه كورو بشدة.
نقد الاستشراق الجديد داخل الأكاديميا الغربية
ينتقد كورو أيضاً جزءاً من الأكاديمية الغربية التي اتخذت – تحت عنوان «نقد الإمبريالية» – موقفاً معادياً للتيارات الإصلاحية الإسلامية، مثل عبد الكريم سروش، متهمة إياها بأنها «أدوات» لمؤسسات غربية أو مراكز أبحاث، بينما يتجاهل هذا الموقف أن هؤلاء الإصلاحيين ينطلقون من تراثهم ومن نقد ذاتي داخلي لا من إملاءات خارجية.
بهذا المعنى، يواجه الإصلاحي المسلم – في نظر كورو – ضغطاً مزدوجاً: من إسلاميين يتهمونه بالتغريب والخيانة، ومن بعض ما بعد الكولونياليين الغربيين الذين يحمّلونه مسؤولية «تعزيز الإسلاموفوبيا» لمجرد طرحه أسئلة نقدية عن أزمات المجتمعات المسلمة.
الإصلاح، النقد الذاتي، وآفاق التجديد
يستعرض كورو محاولات إصلاحية أو تجارب تجديدية في أوروبا وأمريكا الشمالية، مثل: جهود مفكرين كأوميد صافي وبعض الباحثات اللواتي قدن صلوات مختلطة أو طرحْنَ قراءات نسوية للنصوص. ومبادرات صغيرة لتأسيس فضاءات دينية تعددية تسعى للجمع بين إسلامية الهوية وقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان.
لكنه يرى أن تأثير هذه المبادرات بقي محدوداً لأسباب عدة: ثقل الخطاب «العالمي» القادم من الشرق الأوسط وجنوب آسيا، الذي يقدّم نفسه بوصفه الممثل الوحيد لـ«الإسلام الصحيح»، ويستثمر شعارات مقاومة الإمبريالية والصهيونية لاستقطاب الشباب. وصعوبة الخطاب الإصلاحي نفسه، الذي يتطلب قراءة ونقاشاً وتأملاً، في حين يقدم الإسلام السياسي إجابات بسيطة ووعداً بالخلاص الفردي والسياسي في آن واحد.
العالم الإسلامي اليوم: مواقع الأمل ومناطق الأزمة
يشير كورو إلى أن العالم العربي يعيش منذ فشل موجة «الربيع العربي» حالة من الإحباط الحاد، مع انسداد أفق الإصلاح السياسي في بلدان محورية مثل مصر وسوريا، وبقاء إيران «صندوقاً مغلقاً» يصعب التنبؤ بمستقبله، بينما تتصاعد موجات تشدد ديني وعنف سياسي في أماكن مثل بنغلاديش وباكستان.
في المقابل، يلفت إلى وجود بؤر أمل نسبي، منها:
تركيا وإندونيسيا، اللتان كان الفقيه الباكستاني–الأمريكي فضل الرحمن يرى فيهما منذ عقود إمكاناً خاصاً لتجدّد الفكر الإسلامي؛ رغم التراجع الديمقراطي في تركيا خلال السنوات الأخيرة، لا يزال المجتمع والنقاش العام أكثر حيوية نسبياً من مناطق عربية عديدة.
إندونيسيا خصوصاً، التي شهد فيها كتاب كورو عشرات الندوات والترجمات والمناقشات، ويعتبرها من أكثر البيئات الإسلامية استعداداً لتطوير فكر ديني منفتح ديمقراطياً.
السنغال ذات التراث الصوفي العميق والنظام السياسي التعددي، والتي يراها مثالاً مهماً على إمكان التقاء التصوف مع الديمقراطية في سياق إفريقي فرنكوفوني.
البوسنة وبعض الأوساط الفكرية في المغرب وتونس، رغم الانتكاسات السياسية.
في المقابل، يلاحظ كورو أن مصر – التي كانت في منتصف القرن العشرين مركزاً للفكر العربي–الإسلامي – تعاني اليوم فراغاً فكرياً واضحاً تحت وطأة القمع السياسي، كما أن صعود اليمين المتطرف والاستيطان في إسرائيل، والتحالف الأمريكي–الإسرائيلي، يغذّي بدوره خطاباً إسلامياً راديكالياً، خاصة في ظل الحروب المتكررة على غزة.
غزة، الإمبريالية، وحدود أطروحة كورو
غزة كساحة امتحان للأفكار
يذكر كورو أنه واجه، خلال السنوات الأخيرة خصوصاً مع حرب غزة 2023 وما تلاها من مجازر وسياسات، انتقادات من أصدقاء وقرّاء يرون أن تركيزه على العوامل الداخلية في العالم الإسلامي لا يولي الإمبريالية الأمريكية والإسرائيلية ما تستحقه من مركزية في تفسير الواقع.
ويستشهد برسالة من قارئ فلسطيني في الضفة الغربية قال إنه فهم مغزى الكتاب رغم عيشه تحت الاحتلال، إذ يقرّ بأن الاستعمار واقعٌ فعلي، لكنه يرى في الوقت نفسه أن القوة السياسية والعسكرية والثقافية شرط أساسي لأي مقاومة فعالة لهذا الاستعمار، وهذه القوة لا تتأتى إلا من نهضة علمية واقتصادية وفلسفية في العالم الإسلامي، وهي النهضة نفسها التي يطالب بها كورو.
لهذا، أضاف المؤلف إلى الترجمة التركية مقدّمة وخاتمة جديدتين، أبرز ما فيهما توسيع الحديث عن غزة، وعن عودة الإمبريالية الأمريكية في صورة أكثر فجاجة خلال إدارة دونالد ترامب الثانية، وما رافقها من صفقات وتسويات في المنطقة، ومن بينها خطط هدنة في غزة ترافقها ترتيبات أمنية وعسكرية أمريكية–إسرائيلية، تؤكد – في نظره – استمرار الخلل البنيوي في ميزان القوى العالمي.
الجمع بين نقد الذات ومواجهة الإمبريالية
يصرّ كورو على أن نقد الإمبريالية وجرائم الحرب في غزة أو غيرها لا يُغني عن طرح أسئلة صعبة حول مسؤولية النخب الدينية والسياسية في العالم الإسلامي، وأنه لا تناقض بين مقاومة الاستعمار الخارجي وبين مراجعة البنى الداخلية؛ بل إن الثانية شرط لفعالية الأولى.
من هنا، يوجّه رسالة عامة مفادها: لا يكفي أن نلعن الغرب والاحتلال والإمبريالية؛ بل ينبغي أن نُعيد النظر في تحالف العلماء–الدولة، وفي بنية التعليم الديني، وفي غياب استقلال الاقتصاد والفكر عن السلطتين السياسية والدينية.
المجتمع، الطرق الصوفية، والإنسان العادي
يتطرق كورو إلى سؤال موقع الجمهور في هذه المعادلة؛ فالمجتمعات المسلمة ليست مجرد «دولة» و«علماء»، بل تضم ملايين المؤمنين الذين لا ينتمون إلى طرق صوفية ولا يدرسون في مدارس تقليدية. غير أن انخفاض معدلات القراءة، وتأخر تعميم الترجمة والطباعة، جعل الجمهور في معظم الفترات التاريخية يعتمد اعتماداً شبه كلي على وسطاء دينيين لنقل المعنى عنه.
وبذلك، لم تتبلور – في أغلب الأحيان – حركة شعبية واسعة تطالب بفصل الدين عن الدولة أو باستقلال الفقه عن السياسة؛ بل ظلّ الاعتراض محدوداً وحبيس نخب صغيرة، بينما تمكّنت الدولة والعلماء الرسميون والطرق المتحالفة معهم من تشكيل «كتلة خطابية» قوية تعيد إنتاج نفسها جيلاً بعد جيل.
الطرق الصوفية بين الإمكان والواقع
يرى كورو أن التصوف كان يمكن أن يلعب دور جسر بين التدين التقليدي وقيم الحرية والإنسانية، لما يحمله من نزعة شعرية وروحية ولغوية مرنة، ولأنه يقترب من الناس بلغاتهم وأذواقهم أكثر من الخطاب المدرسي الجاف.
غير أن تحوّل كثير من الطرق الصوفية إلى أدوات بيد الدولة – سواء في العهد العثماني أو في دول معاصرة مثل باكستان وبنغلاديش وبعض البلدان العربية – جعلها في كثير من الحالات جزءاً من المشكلة لا من الحل، كما يتبدّى في دعم بعض الطرق لقوانين التجديف المتشددة أو لخطابات الإقصاء الطائفي.
جمود الفكر وغياب الأسماء الكبرى
يسلّط كورو الضوء على ما يسميه «الجمود الفكري» المزمن في العالم الإسلامي؛ إذ يرى أن القرون الثلاثة أو الأربعة الأخيرة لم تُنتج – حتى في العلوم الدينية نفسها – أسماء بحجم الغزالي أو ابن رشد أو ابن خلدون، فضلاً عن غياب أعلام فلسفية كبرى تُقارن بابن سينا أو الفارابي.
ويلاحظ أن التركّز المستمر على أسماء مثل الغزالي في النقاشات المعاصرة – مع ممانعة نقده أو إعادة قراءته – دليل على أن العقل المسلم يعيش إلى حد كبير على رصيد ماضٍ بعيد، دون أن ينجح في إنتاج تقاليد تفكير متراكمة جديدة؛ وهذا في نظره مؤشر على عمق الأزمة لا على قوة التراث.
خيبات الأمل في قيادات معاصرة
يضيف كورو أن بعض الأسماء التي عُقدت عليها آمال كبيرة في الغرب والعالم الإسلامي – مثل طارق رمضان أو حمزة يوسف وغيرهما – تحولت في نظره إلى خيبات أمل، إمّا بسبب قضايا أخلاقية وشخصية، أو بسبب مواقف سياسية محافظة، أو نتيجة الانزياح من العمل الفكري الجاد إلى شعبوية دينية وإعلامية.
كما يذكر أن مفكرين مثل أميد صافي ركّزوا لاحقاً على تنظيم زيارات صوفية وروحية (مثلاً إلى قونية وغيرها)، على حساب الإنتاج النظري المتين في نقد السلطوية أو تطوير نظريات جديدة في الفقه والسياسة.
آفاق الخروج من المأزق.. فصل المجالات واستقلالية الحقول
يرى كورو أن معالجة السلطوية والتأخر في العالم الإسلامي تتطلب إعادة التفكير في العلاقات بين الحقول: الدين، الدولة، الاقتصاد، الإعلام، الأكاديميا؛ بحيث يُتاح لكل حقل قدر من الاستقلالية يمنع التماهي الشمولي بين السلطة السياسية والدينية والاقتصادية والإعلامية.
يقدّم مثالاً بالولايات المتحدة في عهد دونالد ترامب، حيث يُظهر – برأيه – كيف يؤدّي تداخل الدين والسياسة والإعلام والمال إلى تآكل الضوابط المؤسسية حتى في دولة ديمقراطية عريقة، ما يعني أن المشكلة ليست «إسلامية» حصراً، بل هي خطر عام حين يتلاشى الفصل بين السلطات والحقول الاجتماعية.
العلم، الفلسفة، الاقتصاد: شروط القوة
يؤكد كورو أن الطريق الوحيد الواقعي لامتلاك قدرة على مواجهة الإمبريالية والاحتلال والعنصرية هو بناء قوة مادية ومعرفية في مجالات العلم والتكنولوجيا والاقتصاد والفلسفة والفنون؛ فالمجتمع الضعيف اقتصادياً وفكرياً يبقى رهينة القوى الخارجية مهما رفعت شعارات مقاومة.
من هنا، يدعو المسلمين إلى التركيز على “واجب البيت الداخلي”:
- تحرير التعليم الديني من التبعية للسلطة السياسية.
- تعزيز طبقة تجارية–مدنية مستقلة تموّل البحث العلمي والفكر الحر كما حدث في العصر الذهبي.
- دعم مفكرين إصلاحيين في العالم الإسلامي والشتات، بدلاً من تخوينهم أو اتهامهم بالعمالة.
- تطوير قراءة نقدية للتراث الفقهي والسياسي، دون قطع مع الإيمان الديني نفسه.
خلاصة
يقدّم أحمد كورو تفسيراً تاريخياً–بنوياً لأزمة السلطوية والتأخر في العالم الإسلامي، يركّز فيه على تحالف العلماء–الدولة وتهميش المفكرين والتجار، رافضاً اختزال المشكلة في «جوهر الإسلام» أو في الاستعمار وحده.
ويدعو إلى مشروع طويل المدى يقوم على فصل نسبي للمجالات، وإحياء استقلالية الفكر والاقتصاد عن السلطة الدينية والسياسية، بوصفه الشرط الضروري لنهضة علمية وفلسفية واقتصادية تمكّن المسلمين من مقاومة الإمبريالية بفعالية أكبر.

