تتواصل في تركيا المواجهة بين الحكومة والمعارضة حول استقلال القضاء ومكانته في الحياة السياسية، بعد أن فجّر زعيم حزب الشعب الجمهوري، أوزغور أوزَل، جدلاً واسعاً باتهامه وزير العدل، أكين غورلك، بامتلاك ثروة عقارية هائلة لا تتناسب مع دخله الوظيفي، فيما عُدّ أحدث حلقة من صراع متصاعد على نزاهة الجهاز القضائي ودوره في الساحة السياسية.
اتهامات المعارضة: ثروة تفوق حدود الدخل الرسمي
في مؤتمر صحفي عقده في أنقرة، عرض أوزَل وثائق قال إنها سجلات من مديرية الطابو، مدعياً أن الوزير يملك سلسلة من العقارات والممتلكات بقيمة إجمالية تبلغ مئات ملايين الليرات التركية. وأوضح أن تلك الثروة تشمل إحدى عشرة شقة وسند ملكية أرض تقدر قيمتها السوقية بأكثر من ثلاثمئة مليون ليرة، إضافة إلى أربع شقق أخرى بيعت سابقاً بمبالغ تجاوزت مئة وعشرين مليون ليرة.
وأضاف أوزَل أنّ هذه الأرقام لا يمكن أن تفسَّر ضمن حدود الدخل الذي يحصل عليه أي موظف قضائي، معتبراً أن حجم التعاملات العقارية يتجاوز – على نحو لافت – ما يُفترض أنه مكسب مشروع من راتب قاضٍ أو مدّعٍ عام. كما ربط الاتهامات الحالية بسلسلة من القضايا السابقة التي استهدفت شخصيات من المعارضة، مؤكداً أنّ تضخم ثروة الوزير يثير شكوكا حول طبيعة العلاقة بين السلطة التنفيذية والجهاز القضائي.
رد الوزير: نفي شامل واتّهام بالتشهير
لم يتأخر وزير العدل أكين غورلك في الرد، إذ نشر بياناً عبر حسابه الرسمي على منصة “إكس” وصف فيه الادعاءات بأنها حملة تضليل متعمدة تستهدف الإساءة إلى سمعته وتشويه سيرة خدمته في الدولة. وأكد أنه يعمل في السلك القضائي منذ أكثر من عقدين، وأنه وزوجته – وهي قاضية أيضاً – يقدّمان بانتظام إقرارات الذمة المالية للجهات الرقابية المختصة وفقاً للقانون.
وشدّد غورلك على أن الوثائق التي استند إليها زعيم حزب الشعب الجمهوري لا علاقة لها بالسجلات الرسمية للطابو، واصفاً إياها بأنها “مزوّرة ومفبركة”. ودعا كل من يمتلك ما يصفه “أدلة حقيقية” على مزاعمه إلى التوجه مباشرة للقضاء بدلاً من استغلال المنابر السياسية، معلناً شروعه الفوري في اتخاذ إجراءات قانونية تشمل دعوى مدنية للمطالبة بتعويض معنوي.
سياق أوسع: القضاء في قلب المعركة السياسية
تأتي هذه الأزمة في خضم جدل قديم حول تسييس القضاء في تركيا، حيث تتهم المعارضة الحكومة بأنها تستخدم الأجهزة القضائية لاستهداف خصومها وإضعاف سلطة البلديات التي تديرها. ويُنظر إلى أكين غورلك بوصفه أحد أبرز الشخصيات المثيرة للانقسام في المؤسسة القضائية؛ إذ مثّل، خلال توليه منصب المدعي العام في إسطنبول، الواجهة القضائية للحملات القانونية ضد بلديات المعارضة وعلى رأسها تلك التي يقودها أكرم إمام أوغلو، الذي يُعد المنافس الأبرز للرئيس رجب طيب أردوغان.
وقد أثار تعيين غورلك وزيراً للعدل في مطلع العام المنصرم احتجاجات داخل البرلمان وانتقادات واسعة من المعارضة، التي رأت في اختياره ترسيخاً لتدخّل السلطة التنفيذية في عمل القضاء.
سوابق الخلاف بين الطرفين
لم تكن هذه المرة الأولى التي يوجّه فيها أوزَل انتقادات علنية إلى الوزير الحالي؛ ففي وقت سابق أشار إلى أنّ غورلك شغل عضوية مجلس إدارة إحدى الشركات التابعة لمؤسسة “إيتي معدن” التركية في لوكسمبورغ، في وقت كان لا يزال يشغل منصب المدعي العام في إسطنبول، معتبراً ذلك تضارباً في المصالح. وقد نفى غورلك حينها تلك المعلومات، غير أنّ وثائق تجارية منشورة في لوكسمبورغ أظهرت وجود اسمه فعلاً ضمن الملفات الرسمية خلال الفترة التي أشار إليها أوزَل.
الدلالة السياسية للمواجهة الجديدة
تعكس الاتهامات الأخيرة تصاعد توتر سياسي وقانوني يطال العلاقة بين حزب العدالة والتنمية الحاكم والمعارضة الجمهورية، ويعيد إلى الواجهة تساؤلات حول الشفافية والمساءلة داخل المؤسسات العليا للدولة. كما يتوقع مراقبون أن يزيد هذا الملف من احتدام الاستقطاب السياسي قبيل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، خصوصاً في ظل تراجع الثقة العامة بالمؤسسات القضائية والإدارية.
خلاصة
تتحول قضية “ثروة وزير العدل” إلى اختبار جديد لمدى استقلال القضاء في تركيا، بين نفي رسمي حادّ واتهامات معارضة تؤكد وجود تضارب في المصالح. وتبدو الأزمة مؤهلة لتصعيد سياسي وقانوني جديد في العلاقة بين الحكومة والمعارضة.

