تكشف تصريحات جديدة أدلى بها المصرفي التركي السابق محمد هاكان أتيلا عن أبعاد سياسية معقّدة رافقت واحدة من أبرز القضايا المالية بين أنقرة وواشنطن، والتي تمحورت حول خرق العقوبات المفروضة على إيران.
محاولة التأثير على القضاء الأمريكي
أفاد أتيلا، الذي شغل منصباً تنفيذياً في بنك خلق الحكومي، أن مسؤولين أتراكاً سعوا خلال محاكمته في الولايات المتحدة إلى دفعه لتقديم طلب رسمي لتنحية القاضي الأمريكي ريتشارد بيرمان.
وبحسب روايته، طلب منه (أي حكومة أردوغان) الادعاء بوجود صلة بين القاضي وحركة كولن، في محاولة للتشكيك في حيادية المحكمة.
وأوضح أن هذه المقترحات نُقلت إليه عبر محاميه، ويُعتقد أنها صدرت عن دوائر عليا في أنقرة، إلا أنه رفض الانخراط في هذا المسار، معتبراً أن ذلك كان سيقوّض دفاعه ويزيد من تعقيد وضعه القانوني.
وأكد لاحقاً أن هذا القرار كان حاسماً، مرجحاً أنه كان سيتعرض لعقوبة أشد لو استجاب لتلك الضغوط.
خلفية الصراع: حركة كولن والاتهامات السياسية
تُصنّف الحكومة التركية حركة الخدمة، المستلهمة من أفكار الراحل فتح الله كولن الذي توفي في ولاية بنسلفانيا عام 2024، كمنظمة إرهابية، وتحمّلها مسؤولية محاولة الانقلاب في تموز 2016، وهو اتهام تنفيه الحركة بشكل قاطع.
في هذا السياق، برزت محاولة ربط القاضي الأمريكي بالحركة كجزء من خطاب سياسي أوسع سعت أنقرة إلى توظيفه في معركتها القانونية.
انتقادات حادة لأنقرة: تفاوت في التعامل بين أتيلا وزرّاب
وجّه أتيلا انتقادات مباشرة للسلطات التركية، متهماً إياها بعدم الدفاع عنه خلال محاكمته، في مقابل تحركات مكثفة قامت بها لدعم رجل الأعمال التركي-الإيراني رضا زرّاب.
وأشار إلى أن أنقرة سعت في البداية لإعادة زرّاب إلى تركيا عقب توقيفه، لكنها تراجعت عن ذلك بعد تعاونه مع الادعاء الأمريكي.
وفي المقابل، أكد أنه لم يلمس أي جهد مماثل لدعمه، رغم أنه كان موظفاً رسمياً.
كما كشف أن السلطات التركية لم تسمح لمسؤولين في بنك خلق، كانوا مستعدين للإدلاء بشهادات لصالحه، بالمثول أمام المحكمة، ما أضعف موقفه الدفاعي بشكل مباشر.
تسوية مثيرة للجدل: إعادة أصول زرّاب وتعليق ملاحقة البنك
لفت أتيلا إلى وجود تفاهمات حديثة تقضي بإعادة أصول رضا زرّاب داخل تركيا، ضمن إطار تسوية أوسع أدت إلى تعليق الملاحقة القضائية بحق بنك خلق في الولايات المتحدة.
واعتبر هذا التطور متناقضاً مع المواقف السابقة لأنقرة، التي كانت قد اتهمت زرّاب بالخيانة والتجسس.
وأعرب عن استغرابه من أن السلطات التركية وافقت على إغلاق الملفات بحق شخص سبق أن اتهمته بتهم خطيرة، دون أن تسعى في المقابل إلى مراجعة الأحكام الصادرة بحق مسؤولين ومصرفيين أتراك في القضية نفسها.
تفاصيل القضية: شبكة مالية للالتفاف على العقوبات
تعود جذور القضية إلى اتهامات أمريكية وُجّهت عام 2019 لبنك خلق، تضمنت الاحتيال وغسل الأموال والتآمر، على خلفية تسهيل نقل نحو عشرين مليار دولار من الأموال الإيرانية الخاضعة للعقوبات.
وقد جرى ذلك عبر شبكة معقدة من الشركات الوهمية وصفقات الذهب.
وكانت هذه القضية مرتبطة بشكل وثيق بمحاكمة رضا زرّاب، الذي أقرّ بالذنب عام 2017 وقدم شهادة ضد أتيلا أمام محكمة في نيويورك.
وفي عام 2018، أُدين أتيلا بتهم تتعلق بالاحتيال المصرفي والتآمر، وقضى نحو 28 شهراً في السجن من أصل حكم مدته 32 شهراً، قبل أن يعود إلى تركيا عام 2019، مع استمراره في نفي ارتكاب أي مخالفات.
اتفاق أمريكي – تركي: تعليق الملاحقة مقابل الالتزام
شهدت القضية تطوراً لافتاً بعد توصل الولايات المتحدة وبنك خلق إلى اتفاق يقضي بتعليق الملاحقة القضائية، شريطة التزام البنك بإجراءات رقابية تتعلق بالعقوبات وقوانين مكافحة غسل الأموال.
ولا يزال هذا الاتفاق بانتظار المصادقة القضائية النهائية.
هذا التفاهم أنهى سنوات من التوتر الدبلوماسي بين أنقرة وواشنطن، لكنه ترك ملفات الأفراد المتورطين دون معالجة واضحة.
“قرار سياسي” لا قضائي
يرى أتيلا أن مسار القضية انتهى بقرار سياسي أكثر منه قانوني، مرجحاً أن مفاوضات أوسع بين الحكومتين الأمريكية والتركية لعبت دوراً حاسماً في التوصل إلى التسوية.
وشدد على أن إغلاق ملف البنك كان ينبغي أن يترافق مع إسقاط الاتهامات عن الأفراد الذين تمت ملاحقتهم، معتبراً أن ذلك كان يجب أن يكون جزءاً من أي تفاوض رسمي بين الجانبين.
اتهام مباشر: “تم التضحية بي“
في ختام تصريحاته، عبّر أتيلا عن شعوره بأنه استُخدم كـ”كبش فداء” لحماية أطراف أخرى مرتبطة بالقضية.
وأكد أنه لا يسامح المسؤولين الذين كانوا على علم ببراءته، ومع ذلك تركوه يواجه مصيره القضائي.
الخلاصة
تكشف شهادة أتيلا عن تداخل عميق بين السياسة والقضاء في قضية بنك خلق، مع اتهامات مباشرة لأنقرة بالتخلي عنه والتأثير على مسار محاكمته. ورغم تسوية النزاع على مستوى الدولة، لا تزال تداعيات القضية قائمة بالنسبة للأفراد الذين وجدوا أنفسهم في قلبها.

