بقلم: ياوز أجار
شهد الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في حدة التنافس الجيوسياسي، حيث لم يعد ميزان القوة يُقاس بالقدرات العسكرية وحدها، بل أصبح الخطاب السياسي والرمزي جزءاً مؤثراً في تشكيل البيئة الاستراتيجية. وفي هذا السياق برزت إيران كفاعل إقليمي يجمع بين أدوات القوة الصلبة والناعمة، مستندةً إلى خطاب سياسي يضع قضية فلسطين وغزة في قلب روايتها الإقليمية.
هذا الخطاب، حتى عندما يبقى في حدود التعبئة الرمزية، يمنح طهران هامشاً من الحماية المعنوية داخل الرأي العام في المنطقة. فالترويج لفكرة الدفاع عن “المستضعفين” ساهم في بناء مظلة سياسية ونفسية تقلل من حدة الانتقادات الموجهة إلى سياساتها العسكرية. ونتيجة لذلك، أصبح أي موقف عسكري مضاد لإيران من قبل بعض دول المنطقة عرضة لتأويلات سياسية قد تضع تلك الدول في موقع من يتقاطع مع سياسات الولايات المتحدة وإسرائيل، وهو ما يشكل ضغطاً معنوياً يقيّد خياراتها الاستراتيجية.
ضغط الخطاب وتأثيره في حسابات الردع
هذا العامل الرمزي ينعكس بوضوح على سلوك عدد من الدول الإقليمية، ولا سيما تلك الواقعة ضمن نطاق القدرات الصاروخية الإيرانية، مثل دول الخليج وتركيا. فهذه الدول، رغم امتلاكها قدرات عسكرية متقدمة نسبياً، تميل إلى الحذر الشديد في الرد المباشر على أي تصعيد محتمل مع إيران.
ويعود ذلك إلى مزيج من الحسابات العسكرية والسياسية. فمن جهة، تخشى هذه الدول من الانزلاق إلى مواجهة إقليمية واسعة قد تهدد استقرارها الاقتصادي والأمني. ومن جهة أخرى، تدرك أن أي رد عسكري مباشر قد يُفسَّر في الخطاب السياسي الإقليمي باعتباره اصطفافاً مع الولايات المتحدة أو إسرائيل ضد دولة تقدم نفسها كمدافع عن القضية الفلسطينية.
وبذلك يتحول الخطاب السياسي إلى عنصر من عناصر الردع غير المباشر، يحد من حرية الحركة لدى خصوم إيران، حتى في الحالات التي تمتلك فيها هذه الدول أدوات عسكرية متقدمة.
بنية الدفاع الإقليمي وحدود الاستقلال الاستراتيجي
على المستوى العسكري البحت، يكشف الواقع أن العديد من الدول الإقليمية لا تمتلك بعد منظومة دفاعية مستقلة قادرة على إدارة مواجهة طويلة الأمد مع إيران. ويظهر هذا الأمر بوضوح في حالة دول الخليج التي بنت عقيدتها الأمنية لعقود طويلة على المظلة العسكرية الأمريكية.
فالسعودية والإمارات وقطر استثمرت مليارات الدولارات في شراء أنظمة دفاع جوي متطورة، إلا أن الجزء الأكبر من هذه المنظومات يعتمد على التكنولوجيا الأمريكية وعلى منظومة القيادة والسيطرة المرتبطة بالبنية العسكرية الغربية. ونتيجة لذلك، تبقى القدرة العملياتية لهذه الأنظمة مرتبطة بدرجة معينة من التنسيق مع الولايات المتحدة.
هذا النمط من الاعتماد الأمني يعني أن أي مواجهة مباشرة مع إيران لا تظل مجرد مسألة عسكرية، بل تتحول إلى قرار سياسي معقد تتداخل فيه الحسابات الدبلوماسية والاقتصادية والاستراتيجية.
الحالة التركية وتعقيدات الاستقلال الدفاعي
تقدم تركيا مثالاً مختلفاً لكنه لا يقل تعقيداً عن الحالة الخليجية. فقد سعت أنقرة خلال العقدين الأخيرين إلى تطوير صناعتها الدفاعية بشكل واسع، مع التركيز على الطائرات المسيّرة ومشاريع الطائرات المقاتلة وأنظمة الدفاع الجوي.
غير أن بعض الوقائع التي برزت خلال أزمات إقليمية كشفت أن منظومة الدفاع الجوي التركية لا تزال مرتبطة بدرجة كبيرة بالبنية العسكرية لحلف شمال الأطلسي. فقد أظهرت بعض الحوادث المرتبطة بالتهديدات الصاروخية الأخيرة أن عمليات الاعتراض جرت ضمن منظومة دفاعية متكاملة تعتمد على أنظمة الحلف.
وهذا يعكس حقيقة أن الوصول إلى استقلال استراتيجي كامل في مجال الدفاع الجوي يتطلب سنوات طويلة من التطوير التقني والاستثمار الصناعي.
مفارقة منظومة إس-400
يُعد قرار تركيا شراء منظومة الدفاع الجوي الروسية إس-400 أحد أبرز الأمثلة على التناقضات التي تواجهها الدول الساعية إلى تنويع مصادر تسليحها. فقد أرادت أنقرة من خلال هذه الصفقة تقليص اعتمادها على الأنظمة الغربية، إلا أن المنظومة لم تدخل الخدمة الفعلية ضمن شبكة الدفاع الجوي التركية.
ويرتبط ذلك بجملة من العوامل التقنية والسياسية، أبرزها صعوبة دمج النظام الروسي في بنية الدفاع التابعة لحلف شمال الأطلسي، فضلاً عن الضغوط السياسية التي تمارسها واشنطن على أنقرة من خلال ملفات كالاتهامات الموجهة في إطار قضية بنك “خلق”، والعقوبات التي فرضتها في السنوات الماضية. وهكذا تحولت الصفقة إلى رمز لتعقيدات السعي نحو استقلال استراتيجي في بيئة دولية ما تزال تتأثر بشدة بالبنية الأمنية الغربية.
نهاية الاحتكار الأمريكي للأمن الإقليمي
تكشف التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط أن الاعتماد الكامل على قوة عظمى واحدة لم يعد يوفر الضمانات الأمنية التي كان يوفرها في العقود الماضية. فقد بدأت ملامح نظام دولي أكثر تعددية في الظهور، مدفوعة بصعود الصين اقتصادياً وتنامي الدور العسكري والدبلوماسي لروسيا.
في هذا السياق بدأت دول عديدة في المنطقة بإعادة تقييم خياراتها الاستراتيجية. فالسعودية، على سبيل المثال، وسّعت تعاونها الاقتصادي مع الصين، كما عززت علاقاتها مع روسيا في مجالات الطاقة والاستثمار. أما الإمارات فاتبعت سياسة خارجية متعددة المسارات تجمع بين الشراكات الغربية والانفتاح على القوى الآسيوية الصاعدة.
كما أبدت عدة دول في الشرق الأوسط اهتماماً متزايداً بالانخراط في أطر تعاون جديدة مثل منظمة شنغهاي للتعاون، وهو ما يعكس تحولاً تدريجياً نحو تبني سياسات خارجية أكثر توازناً.
الدبلوماسية متعددة المسارات
من أبرز الأمثلة على هذا التحول الاتفاق الذي تم بوساطة صينية بين السعودية وإيران لاستئناف العلاقات الدبلوماسية بينهما. فقد أظهر هذا التطور أن إدارة التوازنات الإقليمية لم تعد حكراً على القوى الغربية، وأن القوى الآسيوية باتت قادرة على لعب أدوار دبلوماسية مؤثرة في المنطقة.
ويشير ذلك إلى أن الدول الإقليمية بدأت تدرك أهمية تنويع شراكاتها الدولية، ليس فقط في المجال الاقتصادي، بل أيضاً في المجالين الأمني والسياسي.
احتمال الانكفاء الاستراتيجي الأمريكي
في موازاة هذه التحولات، يدور نقاش متزايد حول مستقبل الدور الأمريكي في الشرق الأوسط. فواشنطن تسعى منذ سنوات إلى إعادة توجيه اهتمامها الاستراتيجي نحو منطقة آسيا-المحيط الهادئ، حيث يتصاعد التنافس مع الصين.
ويعني هذا التوجه أن الولايات المتحدة قد تقلص تدريجياً من مستوى انخراطها العسكري المباشر في الشرق الأوسط، دون أن تنسحب منه بالكامل. وفي أدبيات العلاقات الدولية يُعرف هذا التوجه باسم “الانكماش الاستراتيجي”، وهو نهج تلجأ إليه القوى الكبرى عندما تسعى إلى إعادة توزيع مواردها لمواجهة تحديات جديدة.
مثل هذا التحول قد يخلق فراغات نسبية في ميزان القوة الإقليمي، وهو ما يفتح المجال أمام صعود قوى إقليمية متوسطة تسعى إلى لعب أدوار أكثر تأثيراً.
فرص القوى الإقليمية الصاعدة
التاريخ يظهر أن فترات إعادة تشكيل النظام العالمي غالباً ما تتيح فرصاً لدول متوسطة الحجم لتعزيز مكانتها. فقد شهد القرن التاسع عشر صعود بروسيا كقوة أوروبية مؤثرة بعد تراجع بعض الإمبراطوريات التقليدية، كما شهدت مرحلة ما بعد الحرب الباردة بروز قوى إقليمية جديدة.
في هذا السياق تمتلك تركيا مجموعة من المقومات التي قد تمكنها من لعب دور أكبر في النظام الإقليمي. فموقعها الجغرافي يضعها عند تقاطع عدة مناطق استراتيجية تشمل البحر الأسود والقوقاز والشرق الأوسط وشرق المتوسط.
إضافة إلى ذلك، تمتلك تركيا قاعدة صناعية وبشرية كبيرة نسبياً مقارنة بدول المنطقة، ما يمنحها إمكانية تطوير نفوذ اقتصادي وعسكري مؤثر إذا ما تم توظيف هذه الموارد بكفاءة.
شروط التحول إلى قوة إقليمية مؤثرة
مع ذلك، فإن التحول إلى قوة إقليمية فاعلة لا يعتمد على القدرات العسكرية وحدها. فالقوة في النظام الدولي المعاصر تُقاس بقدرة الدولة على الجمع بين عناصر متعددة تشمل الاقتصاد والتكنولوجيا والاستقرار المؤسسي والمرونة الدبلوماسية.
ومن دون تحقيق درجة كافية من التماسك الداخلي والاستقرار الاقتصادي، يصعب على أي دولة تحويل إمكاناتها النظرية إلى نفوذ فعلي على الساحة الدولية.
الخلاصة
تكشف الحرب الأمريكية-الإيرانية وما رافقها من تحولات سياسية وعسكرية عن مرحلة انتقالية في بنية النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، حيث لم تعد القوة العسكرية وحدها المحدد الوحيد لموازين النفوذ.
وفي عالم يتجه تدريجياً نحو التعددية القطبية، تبدو الدول الأكثر قدرة على المناورة هي تلك التي تنجح في تحقيق قدر من الاستقلال الاستراتيجي مع الحفاظ على شبكة علاقات دولية متوازنة ومتعددة المسارات.

