لم تعد التوترات بين تركيا وأذربيجان مجرد اختلاف بشأن قواعد ارتداء الحجاب في المدارس، بل باتت تكشف تباينًا أوسع في حسابات القيادتين ومصالحهما الاقتصادية وطموحاتهما الإقليمية.
ويرى عمر مراد، في مقاله بموقع “تركيش مينوت” الناطق باللغة الإنجليزية، أن الحجاب كان الشرارة المباشرة للأزمة، لا سببها الجوهري، إذ تتداخل وراءها مسألة النفوذ الشخصي للرئيسين رجب طيب أردوغان وإلهام علييف، وتشابكات المصالح التجارية، واختلاف أولويات السياسة الخارجية.
بدأت المواجهة تتخذ طابعًا علنيًا عندما انتقد أردوغان، خلال خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول، حظر الحجاب المدرسي في بعض البلدان، معتبرًا إياه اعتداءً على الحقوق الأساسية للنساء، من دون أن يسمّي أذربيجان. وكانت باكو قد أقرت قواعد للزي المدرسي استخدمتها بعض المؤسسات لمنع فتيات محجبات من الدخول.
وبعد ذلك بأيام، وجّه علييف رسالة تحذيرية خلال مؤتمر لحزب أذربيجان الجديدة الحاكم في الثاني من أكتوبر/تشرين الأول، مؤكدًا أن أي تدخل في الشؤون السياسية والاجتماعية لبلاده سيواجه برد حازم، من دون الإشارة صراحة إلى تركيا.
ويقرأ مراد هذا التبادل باعتباره إعلانًا عن حدود النفوذ التركي داخل أذربيجان. فالشراكة التاريخية بين البلدين لا تعني، من وجهة نظر باكو، أن لأنقرة حقًا في التأثير على خياراتها الداخلية أو تحديد مواقفها الخارجية.
من نصر قره باغ إلى التنافس على رواية الإنجاز
يشير مراد إلى أن أحد مصادر الحساسية بين القيادتين يتعلق بمن يمتلك الفضل السياسي والعسكري في انتصار أذربيجان على القوات الأرمينية. فقد أسهم الدعم التركي السياسي والعسكري في تعزيز القدرات الأذربيجانية، لكن باكو لا تقبل أن يُقدَّم انتصارها باعتباره إنجازًا تركيًا بالدرجة الأولى.
وفي يوليو/تموز 2024، أثار أردوغان استياء أذربيجان عندما استشهد بالتدخلات التركية السابقة في قره باغ وليبيا، خلال توجيهه تحذيرًا إلى إسرائيل. وردت صحيفة أذربيجانية رسمية آنذاك بالتأكيد أن النصر تحقق بجهود الجيش الأذربيجاني، وأن البلاد دفعت ثمن معداتها العسكرية بنفسها.
وبحسب قراءة مراد، لا يتعلق الخلاف بإنكار أهمية الدعم التركي، بل بتحديد صاحب الإنجاز ورمزيته السياسية. فكل من أردوغان وعلييف يحرص على إظهار القوة داخليًا وخارجيًا، ولذلك يصبح التحكم في رواية الانتصار جزءًا من المنافسة على المكانة والنفوذ.
أرمينيا وإسرائيل: اختبار استقلال السياسة الخارجية
تمثل العلاقة مع أرمينيا نقطة خلاف أخرى. فقد عارضت باكو باستمرار فتح الحدود التركية الأرمينية من دون موافقتها، إذ ترى في استمرار إغلاقها وسيلة ضغط على يريفان إلى حين التوصل إلى تسوية نهائية وفق الشروط الأذربيجانية.
في المقابل، تمتلك أنقرة ورقة تفاوضية تتمثل في احتمال فتح الحدود من دون موافقة باكو، وهو ما قد يمنحها مساحة للمساومة بشأن الصفقات التجارية ومشتريات السلاح. ومع ورود تقارير عن تقدم التقارب التركي الأرميني واحتمال فتح الحدود، قد يسعى علييف إلى تأكيد أن مصالح بلاده لا يمكن تجاوزها في القرارات التركية المتعلقة بالمنطقة.
أما إسرائيل، فتحتل موقعًا مهمًا في الحسابات الأمنية الأذربيجانية، باعتبارها شريكًا دفاعيًا وقناة محتملة لتعزيز النفوذ في واشنطن. وفي المقابل، اتخذت أنقرة موقفًا علنيًا أكثر تصادمًا مع إسرائيل. ويرى مراد أن الانتقادات المتزايدة لأذربيجان داخل تركيا، خصوصًا عبر حسابات ومنصات يُنظر إليها على أنها قريبة من الحكومة، أثارت قلق باكو من احتمال وجود تساهل رسمي تركي مع هذه الحملات.
وقد ردت وسائل إعلام أذربيجانية مرتبطة بالحكومة بنشر انتقادات حادة لحزب العدالة والتنمية الحاكم. ومع ذلك، تنفي باكو أن تكون علاقاتها بإسرائيل قد أضرت بعلاقاتها مع إيران، كما ترفض اتهامات بالسماح لإسرائيل باستخدام أراضيها أو مجالها الجوي لمهاجمة إيران.
وتشير الوقائع التي يستشهد بها مراد إلى أن أذربيجان تحاول الحفاظ على توازن بين الطرفين. ففي مارس/آذار، أصابت طائرة مسيّرة هجومًا على ناخيتشيفان، الجيب الأذربيجاني المحاذي لإيران، أربعة مدنيين وألحقت أضرارًا بمبنى في مطار؛ واتهمت باكو طهران بالمسؤولية، بينما نفت إيران ذلك. وفي أغسطس/آب، أشاد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان علنًا بمساعدة أذربيجان الإنسانية، ودورها في تسهيل مرور شحنات المساعدات الروسية إلى إيران وإبقاء الممرات اللوجستية مفتوحة.
ومن منظور مراد، لا تريد باكو التضحية بعلاقتها مع إسرائيل لإرضاء أنقرة، ولا استفزاز إيران بلا ضرورة. فجوهر الخلاف هنا هو ما إذا كانت الشراكة مع تركيا تقتضي اتباع قيادتها السياسية، أم تسمح لأذربيجان بإدارة علاقاتها وفق مصالحها الخاصة.

