يرى المحلل السياسي والبروفيسور التركي سدات لاتشينر أن المشهد الاقتصادي العالمي يشهد تحولاً جذرياً يتمثل في سعي الصين الحثيث لتحويل المغرب إلى منصة وثوب استراتيجية، أو ما يمكن وصفه بـ “البوابة الخلفية” للنفاذ إلى قلب الاتحاد الأوروبي.
هذا التوجه ليس مجرد استثمار عابر، بل هو “خطة ب” صينية متكاملة تثير ذعر بروكسل التي بدأت تشعر بتطويق اقتصادي قادم من الجنوب، خاصة مع تنامي الوجود الصيني في دول شمال أفريقيا مثل تونس والجزائر ومصر.
اللوجستيات المغربية كقاعدة انطلاق عالمية
في تحليل قدمه عبر صفحته على يوتيوب، يوضح البروفيسور لاتشينر أن اختيار الصين للمملكة المغربية لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة عبقرية الموقع الجغرافي الذي يكاد يلامس القارة العجوز، إضافة إلى الاستقرار السياسي وتوفر يد عاملة شابة ومؤهلة. ففي منطقة “خاليكت” خارج مدينة طنجة، تبرز ملامح مدينة صناعية ضخمة تمتد على مساحة خمسمائة هكتار، حيث تتسارع الاستثمارات الصينية في قطاع السيارات لتبلغ مليارات الدولارات. ويشير لاتشينر إلى أن هذه الاستثمارات تمثل رمزاً لفائض الإنتاج الصيني الذي يبحث عن تصريف ذكي بعيداً عن القيود الجمركية المباشرة.
تكتيك الالتفاف على الحواجز الجمركية الأوروبية
يسلط لاتشينر الضوء على جوهر الاستراتيجية الصينية؛ فبينما يفرض الاتحاد الأوروبي رسوماً جمركية باهظة قد تصل إلى خمسة وأربعين في المائة على السيارات الكهربائية المصنعة في الصين، فإن نفس هذه المركبات، إذا ما أُنتجت فوق الأراضي المغربية، تدخل الأسواق الأوروبية برسوم صفرية. يعود ذلك إلى اتفاقيات التجارة الحرة والاتحاد الجمركي الذي يربط الرباط ببروكسل. وتعتمد الشركات الصينية، المدعومة حكومياً بقروض منخفضة الفائدة ودعم يفوق ما تقدمه دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بثمانية أضعاف، على هذا “الممر المغربي” لتحقيق ميزة تنافسية لا يمكن للمنتج الأوروبي مجاراتها.
التفوق المغربي: الثروات الطبيعية والمزايا التشريعية
يتجاوز الإغراء المغربي للصين مجرد الموقع؛ فالمغرب يمتلك احتياطيات ضخمة من الفوسفات الضروري لصناعة البطاريات، ويمتلك بنية تحتية لوجستية متطورة تشمل موانئ كبرى وخطوط سكك حديدية تربطه بالعالم. يضيف لاتشينر أن القوانين المغربية تمنح المستثمرين الأجانب إعفاءات ضريبية تصل إلى خمس سنوات، في ظل مجتمع شاب يبلغ متوسط عمره ثلاثين عاماً. وبفضل اتفاقيات التجارة الحرة مع خمسين دولة، بما في ذلك الولايات المتحدة، يمكن للمصانع المقامة في المغرب الوصول إلى أكثر من مليارين ونصف المليار مستهلك عالمياً، مما يجعله مركزاً للتوريد العابر للأطلسي نحو نيويورك وفلوريدا بسهولة فائقة.
التصادم مع المخاوف الأوروبية ومفهوم “التصنيع الوطني“
في المقابل، يراقب الاتحاد الأوروبي هذا التمدد بقلق متزايد، حيث بدأت المفوضية الأوروبية بالفعل في فرض قيود وشروط لإثبات نسبة المكون المحلي في المنتجات القادمة من المغرب. ووفقاً لتحليل لاتشينر، فإن بروكسل تتهم بكين باستخدام المغرب كمنصة تجميع لقطع غيار صينية المنشأ بهدف “غسل” هويتها التجارية. هذا الصراع يأتي في وقت تعاني فيه القوى الصناعية الكبرى مثل ألمانيا وفرنسا من ظاهرة “اللاتصنيع”، حيث تغلق المصانع وتتراجع القدرة التنافسية للأوروبيين أمام المرونة الصينية والنموذج الإنتاجي الذي يُنقل الآن إلى المغرب ليُطبق بعيداً عن تعقيدات النقابات العمالية وتكاليف الإنتاج المرتفعة في أوروبا.
انعكاسات التحول المغربي على المكانة الصناعية التركية
ينتقل البروفيسور لاتشينر إلى زاوية حرجة تخص الداخل التركي، محذراً من أن الصعود الصناعي للمغرب ومصر يأتي على حساب التنافسية التركية. فبينما ظلت الصناعة التركية حبيسة مستويات تقنية لم تتطور بشكل جذري منذ التسعينيات، نجحت دول شمال أفريقيا في جذب الشركات التركية نفسها. ويكشف لاتشينر أن أكثر من مائتي شركة تركية انتقلت بالفعل إلى المغرب باستثمارات تجاوزت المليار دولار، بينما الرقم في مصر يتخطى الألف وسبعمائة شركة باستثمارات تفوق أربعة مليارات دولار. هذا “النزوح الصناعي” يعكس فشل تركيا في الانتقال من مرحلة التجميع والإنتاج للغير إلى مرحلة التصميم والابتكار التكنولوجي.
الرؤية المستقبلية والحلول المقترحة
يختتم لاتشينر تحليله بالتأكيد على أن الصين ستواصل تعزيز وجودها في شمال أفريقيا كخيار استراتيجي لا غنى عنه. وبالنسبة لتركيا، يرى أن الحل يكمن في إحياء مسار الانضمام للاتحاد الأوروبي ليس فقط كهدف سياسي، بل كأداة لرفع المعايير الصناعية وجذب الاستثمارات النوعية. كما يشدد على ضرورة وقف “هجرة العقول” وتوفير بيئة عمل تكنولوجية متقدمة تمنع الكفاءات التركية من الرحيل نحو الغرب، بالتزامن مع رحيل المصانع نحو الجنوب، لضمان عدم بقاء تركيا خارج حلبة المنافسة العالمية الجديدة.
تتزامن هذه التحولات مع إعلان الاتحاد الأوروبي رسمياً في منتصف عام ٢٠٢٤ عن فرض رسوم تعويضية مؤقتة على واردات السيارات الكهربائية الصينية، مما يعزز من قيمة المغرب “كخطة ب” واقعية. كما أن دخول شركات عملاقة مثل “غوشن هاي تيك” الصينية لإنشاء أول مصنع ضخم لبطاريات السيارات الكهربائية في أفريقيا فوق الأراضي المغربية، يؤكد أن المغرب لم يعد مجرد محطة تجميع، بل يتحول إلى قلب نابض لسلاسل التوريد الخضراء العالمية، وهو ما يضع ضغوطاً هائلة على الدول الصناعية التقليدية لإعادة تعريف علاقاتها التجارية مع دول الجنوب.
خلاصة
يمثل المغرب اليوم رأس الحربة في الاستراتيجية الصينية للالتفاف على الحمائية الأوروبية عبر منصة صناعية متكاملة ومستدامة. هذا التحول يفرض على القوى الإقليمية، وخاصة تركيا، إعادة ابتكار نماذجها الاقتصادية لتجنب التهميش في خارطة التصنيع العالمي الجديد.

