يسلط النائب البرلماني عن حزب “الديمقراطية والمساواة للشعوب” المؤيد للأكراد، عمر فاروق جَرْجَرْلي أوغلو، الضوء على جملة من الحقائق المغيبة والشهادات المباشرة التي جمعها من خلف القضبان، ليرسم لوحة مغايرة لما استقر في السردية الرسمية حول أحداث الخامس عشر من تموز ٢٠١٦ في تركيا.
ويرى جَرْجَرْلي أوغلو أن مرور عقد من الزمن لم يزد المشهد إلا تعقيداً في ظل إصرار السلطات على إبقاء “الصندوق الأسود” لهذه الليلة مغلقاً، مشيراً إلى أن ما جرى لم يكن مجرد محاولة انقلابية، بل كان فصلاً من فصول صراع داخلي عميق وتصفية حسابات داخل المؤسسة العسكرية.
وأد الحقيقة في أروقة البرلمان
في برنامج على يوتيوب مع الكاتب والمحلل السياسي ياوز بيدار، كشف جَرْجَرْلي أوغلو عن “جريمة سياسية” تمثلت في التخلص من تقرير لجنة التحقيق البرلمانية التي تشكلت بعيد الانقلاب مباشرة؛ فبينما كان من المفترض أن يكون هذا التقرير مرجعاً وطنياً، يوضح النائب أن الخلافات المتعمدة والتلاعب في النسخ المسلمة للمعارضة أدت في النهاية إلى “إلقاء التقرير في سلة المهملات” بذرائع إجرائية تتعلق بالنظام الداخلي للبرلمان. ويؤكد جَرْجَرْلي أوغلو أن هذه الخطوة لم تكن عفوية، بل جاءت استجابة لمناخ سياسي عام أراد “طي الصفحة” بدلاً من كشف الحقائق، خاصة بعد رفض شخصيات محورية مثل رجب طيب أردوغان، وبن علي يلدريم، وهاكان فيدان، وخلوصي أكارو المثولَ أمام اللجنة والإدلاء بشهاداتهم مباشرة تحت قبة البرلمان.
خلوصي أكار: لغز “الرجل القوي” واللعب على الحبال
من خلال قراءاته المعمقة للملفات ومقابلاته مع كبار الضباط المعتقلين، يطرح جَرْجَرْلي أوغلو فرضية مثيرة للجدل تتعلق بالدور الذي لعبه رئيس الأركان آنذاك، خلوصي أكار. وينقل النائب عن ضباط مثل “محمد ديشلي” و”غوكهان سونمز أتيش” أن أكار كان يتصرف ببرود مريب ليلة الانقلاب، بل إن بعض الشهادات تشير إلى أنه كان يمارس “لعبة مزدوجة” بانتظار كفة مَنْ ستميل. ويروي جَرْجَرْلي أوغلو أن ضباطاً صرحوا بأن أكار كان يصدر تعليمات حتى ساعات متأخرة، مما يثير تساؤلات حول ما إذا كان الانقلاب قد تم “توجيهه” أو “استدراجه” لغرض تصفية خصوم معينين داخل الجيش، وهو ما يفسر رفض أكار المستمر للحديث أو الرد على التساؤلات البرلمانية والقضائية التفصيلية.
شهادات من الزنازين: رواية “المتهم الأول”
يتوقف جَرْجَرْلي أوغلو مطولاً عند شهادة الجنرال “أكين أوزتورك”، الذي وُصف بأنه الرقم واحد في الانقلاب؛ حيث ينقل عنه نفيه القاطع لهذه التهمة، مؤكداً أنه توجه إلى قاعدة “أكينجي” بناءً على دعوة هاتفية من أكار نفسه. ويشير جَرْجَرْلي أوغلو إلى مفارقة صارخة، وهي أن أوزتورك هو من أنقذ “يشار غولر” (رئيس الأركان اللاحق) من القيود وقضى معه اليوم التالي للانقلاب في اجتماعات رسمية وقام بإيصاله لمنزله، قبل أن يتم اعتقاله فجأة وإعلانه كزعيم للانقلاب. يحلل جَرْجَرْلي أوغلو هذه الواقعة بوصفها دليلاً على وجود “قائمة تصفيات” معدة سلفاً اعتمدت على تصنيفات استخباراتية قديمة تعود لفترة “أرغنيكون”، وليست مرتبطة بالضرورة بما جرى ليلة ١٥ تموز، علمًا أن الأمم المتحدة أصدرت قرارا ببراءته من تهمة الانقلاب وطالبت تركيا بالإفراج عنه فورا، لكن الحكومة تصر على بقائه في السجن، خشية سقوط روايتها الرسمية لأحداث الانقلاب، وفق محللين.
خيوط “روبوسكي” وسوريا في نسيج الانقلاب
يربط النائب جَرْجَرْلي أوغلو بين أحداث ١٥ تموز ومجزرة “روبوسكي” (أولوديري) التي راح ضحيتها مدنيون أكراد، في قصف “خاطئ” استهدف مسلحين أكرادا من حزب العمال الكردستاني، موضحاً أن هناك “دَيْناً سياسياً” يربط المؤسسة العسكرية بالسلطة؛ فالجنرالات الذين تورطوا في إصدار أوامر القصف الخاطئ في روبوسكي، وعلى رأسهم خلوصي أكار ويشار غولر، تمت حمايتهم من الملاحقة القضائية، وهو ما يراه جَرْجَرْلي أوغلو “تحصيناً” لهم جعلهم أدوات طيعة في يد السلطة السياسية لاحقاً.
علاوة على ذلك، يشير جَرْجَرْلي أوغلو إلى وجود انقسام حاد داخل هيئة الأركان قبل الانقلاب بفترة وجيزة حول التدخل العسكري في سوريا؛ حيث كان هناك تيار يمثله أوزتورك وآخرون يعارضون المغامرة العسكرية، بينما كان تيار أكار يدفع باتجاه التماهي مع رغبات القصر الرئاسي. ويرى النائب أن الانقلاب كان فرصة ذهبية للتخلص من “التيار المعارض” للتدخل السوري تحت لافتة “مكافحة التنظيم الموازي”، الاسم الذي كانت السلطة تطلق على حركة الخدمة في ذلك الوقت.
لغز مـرمريس والمروحيات الغامضة
يتطرق جَرْجَرْلي أوغلو إلى تفاصيل ميدانية لم تُحسم بعد، منها التضارب في توقيت مغادرة أردوغان لفندق مـرمريس؛ فبينما تروي السردية الرسمية قصة “النجاة بـ٥ دقائق”، تفيد شهادات الضباط والبيانات الميدانية التي استعرضها النائب بأن المغادرة تمت قبل ساعات من وصول فريق “سونمز أتيش”. والأخطر من ذلك هو حديثه عن ثلاث مروحيات غامضة ورجال بملابس سوداء هبطوا في المنطقة ونفذوا عمليات قتل لشرطيين قبل وصول “الانقلابيين المفترضين”، وهي مروحيات لم تُدرج في أي سجلات قضائية ولم يُعرف مصيرها، مما يعزز فرضية وجود “طرف ثالث” يدير المشهد من وراء الستار لتأمين السيناريو المطلوب.
هيكلية الانقلاب: بنية هجينة وتصفية حسابات
في تحليله النهائي، يخلص عمر فاروق جَرْجَرْلي أوغلو إلى أن ما حدث كان “انقلاباً هجيناً”؛ فلم يكن تنظيماً واحداً هو من تحرك، بل كانت تركيبة من ضباط مضللين، وآخرين غاضبين من سياسات أردوغان، ومجموعات وجدت نفسها عالقة في منتصف الطريق. ويؤكد جَرْجَرْلي أوغلو أن الضحية الكبرى كانت آلاف الجنود والطلاب العسكريين الذين وجدوا أنفسهم في الشوارع بناءً على أوامر هرمية، ليتم الزج بهم في غياهب السجون، بينما ظل “المخططون الحقيقيون” أو أولئك الذين سمحوا بوقوع الحدث لتحقيق مكاسب سياسية بمنأى عن أي محاسبة. ويرى النائب أن هذه الأحداث كانت بمثابة “ليلة السكاكين الطويلة” بنسخة تركية، أدت في النهاية إلى إعادة هندسة الدولة والمؤسسة العسكرية بما يضمن الولاء المطلق للسلطة الحالية.
يذكر أن مفهوم “ليلة السكاكين الطويلة” يشير إلى الأحداث التي وقعت في ألمانيا النازية بين 30 يونيو و2 يوليو 1934، عندما أمر أدولف هتلر بتصفية عدد كبير من قيادات قوات العاصفة (SA) وخصومه السياسيين داخل الحزب النازي وخارجه، بهدف تثبيت سلطته وكسب ولاء الجيش.

