في ظل تصاعد الجهود العربية لمنع تهجير الفلسطينيين من غزة، لقيت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي أكد فيها أنه “لن يتم طرد الفلسطينيين من قطاع غزة”، ترحيبًا من القاهرة التي اعتبرتها “توجهًا إيجابيًا” نحو تحقيق السلام. إلا أن الخارجية الأمريكية امتنعت عن اعتبار هذه التصريحات تراجعًا رسميًا عن أي خطط سابقة، مؤكدة أن الإدارة الأمريكية تركز حاليًا على إيجاد حلول عملية لاستقرار المنطقة.
الموقف المصري والجهود العربية
في بيان رسمي صدر يوم الخميس، عبّرت وزارة الخارجية المصرية عن تقديرها لتصريحات ترامب التي جاءت خلال لقائه برئيس الوزراء الإيرلندي مايكل مارتن يوم الأربعاء، حيث شدد الرئيس الأمريكي على أن سكان غزة لن يتم تهجيرهم. واعتبرت القاهرة أن هذه التصريحات تعكس “تفهمًا أمريكيًا لأهمية تجنب تفاقم الأزمة الإنسانية في غزة وضرورة التوصل إلى حلول عادلة ومستدامة للقضية الفلسطينية”.
وكانت مجموعة من وزراء خارجية الدول العربية، تضم السعودية، والإمارات، ومصر، وقطر، والأردن، إلى جانب أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، قد اجتمعت مع المبعوث الأمريكي للشرق الأوسط، ستيفن ويتكوف، في العاصمة القطرية الدوحة، حيث عرضت خطة إعادة إعمار غزة التي أُقرت في القمة العربية المنعقدة في القاهرة في 4 مارس الجاري. وتم الاتفاق على استمرار التشاور والتنسيق حول تنفيذ هذه الخطة بصفتها أساسًا لإعادة الإعمار، مع تأكيد أهمية تثبيت وقف إطلاق النار، وإطلاق جهود سلام شاملة قائمة على حل الدولتين.
الموقف الأمريكي: تغيير في اللهجة أم تعديل في الاستراتيجية؟
فيما فسّر البعض تصريحات ترامب الأخيرة على أنها تراجع عن خطته السابقة التي اقترح فيها ترحيل سكان غزة إلى الدول العربية المجاورة في إطار مشروع “ريفييرا الشرق الأوسط”، شدد المتحدث الإقليمي باسم الخارجية الأمريكية، ساميويل وربيرغ، في تصريح لـ”الشرق الأوسط”، على أن إدارة ترامب لم تغير موقفها الأساسي المتمثل في تحسين الظروف المعيشية للفلسطينيين وضمان بيئة مستقرة وآمنة. وأوضح أن تركيز الولايات المتحدة منصب حاليًا على إيجاد حلول عملية لتحقيق الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، مشيرًا إلى أن تصريحات الرئيس الأمريكي لا تعني بالضرورة تخلي واشنطن عن رؤيتها لمستقبل غزة.
بين الدبلوماسية العربية والمناورة السياسية الأمريكية
عضو الحزب الجمهوري الأمريكي، توم حرب، اعتبر، في تصريحات للصحيفة ذاتها، أن ترامب لم يتراجع فعليًا، لكنه ترك الباب مفتوحًا أمام كل التفسيرات، منتظرًا ما ستقدمه الدول العربية بشأن خطة إعمار غزة وتحقيق سلام دائم في المنطقة. وأشار إلى أن الإدارة الأمريكية مستعدة لدعم الخطة العربية، لكنها تشترط تمويلها عربيًا، بينما في حال الاعتماد على التمويل الأمريكي، فقد تكون هناك “اشتراطات مختلفة”، بما في ذلك تحويل غزة إلى منطقة سياحية متطورة.
أما أستاذ العلاقات الدولية في جامعة ميريلاند، الدكتور فرنك مسمار، فاعتبر أن موقف ترامب يعكس انفتاحًا على المقترحات العربية، رغم تمسكه برؤيته الخاصة بضرورة “إخلاء غزة” وبناء مدينة حديثة. وأضاف أن إدارة ترامب فتحت قنوات حوار حتى مع “حماس” لدعم أي خطة عربية في حال توافر إطار زمني واضح وهيكل مالي مدعوم من الدول العربية الغنية.
التكتيك السياسي: التراجع اللفظي مقابل استمرار المخطط؟
الخبير الاستراتيجي المصري، سمير راغب، يرى أن تصريحات ترامب الأخيرة تمثل “تراجعًا لفظيًا” فقط، دون أن تعني التخلي عن مشروعه الأساسي. وأوضح أن “فكرة ترامب قائمة على أن غزة أصبحت غير صالحة للحياة، وبالتالي فإن سكانها قد يسعون بأنفسهم للخروج منها، ولن يكون هناك طرد قسري، بل سيتم تسهيل خروجهم وتأمين بدائل لهم”.
ويؤكد راغب أن مشروع ترامب ليس مجرد تصريح سياسي يمكن التراجع عنه، بل هو خطة متكاملة مدروسة ذات جدوى اقتصادية منشورة. ويشير إلى أن التحركات العربية نجحت في ممارسة ضغوط دبلوماسية دفعت ترامب إلى تغيير لهجته، لكن هذا لا يعني نهاية المخطط، إذ لا تزال هناك حاجة لمزيد من الضغوط السياسية والتنسيق العربي المكثف، حتى تصبح خطة إعادة إعمار غزة مدعومة دوليًا، وتحصل على موافقة أمريكية صريحة.
مستقبل القضية: ما بين الضغوط العربية والحسابات الأمريكية
من المقرر أن تستضيف مصر مؤتمرًا دوليًا في نهاية أبريل المقبل على المستوى الوزاري، كجزء من الجهود العربية لتوفير التمويل اللازم لخطة إعادة إعمار غزة. ورغم الإشارات الإيجابية في الخطاب الأمريكي، فإن الغموض لا يزال يكتنف نوايا إدارة ترامب الفعلية، وسط انقسام في التقديرات بين من يرى تصريحاته الأخيرة تراجعًا عن مخطط التهجير، ومن يراها مجرد تغيير في التكتيك بانتظار ما ستؤول إليه التحركات العربية.
في ظل هذه التطورات، يظل السؤال الأهم: هل ستنجح الجهود العربية في إجهاض مخطط التهجير فعليًا، أم أن المشروع الأمريكي سيتحول إلى واقع تدريجيًا في ظل غياب توافق دولي حاسم؟

