في لقاء سياسي مطوّل، تناول البروفيسور ممتازر توركونه التطورات المتسارعة على الساحة التركية، مسلطًا الضوء على قضية استمرار اعتقال السياسي الكردي البارز صلاح الدين ديميرطاش، رغم قرارات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان والمحكمة الدستورية التركية الداعية إلى الإفراج عنه.
في مقابلة نشرها موقع “ميديا سكوب” على يوتيوب، اعتبر توركونه أن النظام الحاكم بات مضطرًا إلى تقديم تنازلات ملموسة، وأن بقاء ديميرطاش قيد الاعتقال لم يعد ممكنًا سياسيًا ولا منطقيًا، بحسب رأيه.
لا خيار أمام أردوغان سوى الإفراج عن ديميرطاش
يرى توركونه أن التصريحات الأخيرة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وخاصة تلك التي أدلى بها أثناء عودته من قبرص حول وجود “انسجام تام” مع زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان، تؤكد أن النظام بات يُمهّد لإعادة إحياء المسار السياسي المتعلق بالقضية الكردية. ويضيف: “لا يمكن تحقيق هذا الانسجام المعلن بينما يستمر احتجاز أحد أبرز رموز السياسة الكردية”.
وأشار توركونه إلى أنه رغم استمرار مقاومة النظام، إلا أن الإفراج عن ديميرطاش، إلى جانب تنفيذ قرارات المحكمة الأوروبية والدستورية، بات مسألة وقت لا أكثر. “لا يمكنهم مواصلة حكم البلاد في ظل هذا التناقض الصارخ مع القانون والسياسة الواقعية”.
حراك غير مسبوق في البرلمان
بالتزامن مع هذه التطورات، لوحظ نشاط لافت في أروقة البرلمان التركي. رئيس الاستخبارات الوطنية إبراهيم قالين عقد لقاءات مع عدة أحزاب، من بينها حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب، كما اجتمع رئيس البرلمان نعمان كورتولموش مع حزب الحركة القومية.
توركونه لفت النظر إلى أن تحرك مدير الاستخبارات في الأوساط الحزبية “ليس مألوفًا في النظم الديمقراطية”، مشبهًا الحالة التركية بنموذج لا يشبه الدول الغربية مثل بريطانيا، حيث يستحيل تخيل مسؤول أمني رفيع يتنقل بين الأحزاب. “هذا الحراك يعكس وجود ضغط هائل على مركز القرار، ويؤكد أن الأزمة خرجت من كونها سياسية وأصبحت أمنية–استراتيجية”.
هل بدأ الفصل التشريعي الرابع من المسار الكردي؟
يرى توركونه أن حديث أردوغان عن “الدعم الكامل من أوجلان” وتصريحاته بخصوص تغييرات متوقعة في البرلمان، يشير إلى بدء ما تسميه الدولة “المرحلة الرابعة” من العملية السياسية، والتي قد تتضمن تعديلات تشريعية أو حتى عفوًا عامًا.
واعتبر أن النظام “بلغ حافة الهاوية”، وأنه لم يعد يملك رفاهية المراوغة أو شراء الوقت. من هنا، فإن خطوات مثل الإفراج عن المعتقلين السياسيين، أو إطلاق مبادرة دستورية جديدة، لم تعد مجرد احتمالات بل أصبحت “ضرورات وجودية” لحكم العدالة والتنمية.
توازن القوى: بين قالين وبهجلي.. من يرسم السياسات الفعلية؟
في تحليل ديناميكية السلطة داخل الدولة، أوضح توركونه أن العلاقة بين قالين وزعيم الحركة القومية دولت بهجلي لعبت دورًا رئيسيًا في صياغة المواقف الأخيرة. وأكد أن قالين، رغم قربه السابق من أردوغان، تبنّى منذ أكتوبر 2022 مواقف متطابقة مع بهجلي. وأضاف أن “مواقف الدولة تُحدد اليوم ليس فقط في القصر، بل أيضًا في مؤسسة الاستخبارات”، مشيرًا إلى أن ما يُعرف بـ”العقل المؤسسي” هو من يقود عملية التحول الجارية.
الأزمة في سوريا تُعيد خلط الأوراق الإقليمية
ربط توركونه التطورات الداخلية التركية بالأحداث الجارية جنوب البلاد، وتحديدًا في سوريا، حيث اندلعت اشتباكات بين الدروز والعشائر البدوية، ما أثار مخاوف لدى أنقرة من امتداد نفوذ وحدات الحماية الكردية وتحالفاتها الإقليمية، خصوصًا مع تلويح بعض الأوساط بإمكانية تعاون مع إسرائيل.
وصرّح توركونه: “قادة الحركة السياسية الكردية، وخصوصًا في سوريا، يديرون الأمور بحذر. لا أعتقد أنهم سيدخلون في تحالف استراتيجي مع إسرائيل عبر الدروز. ذلك سيكون انتحارًا سياسيًا لكل الحركة الكردية”.
هل تستغل الحكومة المسار الكردي لتثبيت سلطتها؟
نفى توركونه بشكل قاطع أن يكون الهدف من هذه التحركات هو “تمديد عمر نظام أردوغان”، مؤكدًا أن ما يجري الآن من شأنه أن “يُقصّر عمر السلطة الحاكمة”، حيث قال” “إذا ما تم تنفيذ الإصلاحات المطلوبة ضمن أطر ديمقراطية حقيقية. “بمجرد أن تبدأ العملية السياسية بالتحرك ضمن مسار الحقوق والقانون والدستور، ستسقط كل مظاهر الحكم الفردي”.
هل يكفي “تعيين رمزي” لحل أزمات الهوية؟
في معرض تعليقه على تسريبات تفيد باقتراح تعيين نائب كردي أو علوي للرئيس، استبعد توركونه جدية هذا الطرح، معتبرًا إياه “حيلة إعلامية وتكتيكًا مؤقتًا”. ونوه بأن منح مناصب شكلية بناءً على الانتماء الطائفي أو العرقي “يُعمق التمييز بدل معالجته”.
واستشهد توركونه بحالات مثل لبنان والبوسنة التي اعتمدت نظام المحاصصة الطائفية، مؤكدًا أنها لم تنجح في معالجة جذور الأزمات بل عمّقتها، مضيفًا “ما نحتاجه هو دولة قانون ومواطنة متساوية، لا توزيع رمزي للمناصب”.
التمييز ضد العلويين: واقع لا يعالجه نائب رمزي
أيد توركونه ما قاله الكاتب قدري غورسيل في مقابلة أخرى، بأن أتباع الطائفة العلوية يواجهون تمييزًا ممنهجًا يمنعهم من الوصول إلى مناصب عليا في الدولة مثل الولاة والجنرالات. ووصف تعيين نائب رئيس “علويًا” بأنه مجرد “مسكن تجميلي لا يعالج أصل المشكلة”.

